صحيفة المرصد 45 مشاهدة
تعرف على قصة

صحيفة المرصد:تناول تقرير أعده  منصور العساف  ونشرته صحيفة الرياض قصة فوزان بن سابق بن عثمان بن فوزان آل عثمان الذي كلف من قبل الملك عبدالعزيز بأعمال ومهام دبلوماسية وسياسية .يقول العساف  معد هذا التقرير:تنقل في رحلاته العلمية من وسط (نجد) إلى (الكويت) ف(العراق) لينتهي به المطاف إلى شبه القارة الهندية، ليواصل بعدها رحلاته لإتمام فضيلة «طلب العلم»، وساعياً لتنفيذ أعمال ونشاطات تجارية في كل من (مصر) و(الشام)، لا سيما بعد أن كلف من قبل الملك عبدالعزيز بأعمال ومهام دبلوماسية وسياسية، كان للشيخ «فوزان» دور كبير في كسب ثقة الملك للاستمرار في أعماله المناطة به في منصبه، إلى حين تقاعده الذي استجاب له الملك المؤسس بعد إلحاح من الشيخ «فوزان»، وما زالت أعماله ومهامه السياسية والدبلوماسية لخدمة بلده وأمته محل احترام وتقدير من ولاة الأمر وحتى الباحثين والمؤرخين.

ولد «فوزان بن سابق بن عثمان بن فوزان آل عثمان» في مدينة (بريدة) ب(القصيم) عام 1275ه الموافق 1859م، وبدأ الشيخ «فوزان» مراحل تعليمه الأولى في مدينته (بريدة)، ثم واصل جهوده في طلب العلم في مدينة (الرياض)، ثم سافر إلى (الزبير) و(الكويت)، ونال نصيباً من العلم هناك على يد بعض مشايخ عصره، ثم سافر إلى (الهند) للدراسة على علمائها، وقد حفظ القرآن الكريم أثناء وجوده في بلده (بريدة)، وكان قد تلقى العلم على يد عدد من الشيوخ والعلماء من أشهرهم الشيخ «سليمان بن محمد بن سيف»، والشيخ «ناصر بن سليمان السيف» الذي تعلم على يديه القرآن الكريم والكتابة في كتاتيب (بريدة)، والشيخ «أمين الشنقيطي» الذي درس على يديه في رحلته إلى (الزبير) و(الكويت)، والشيخ «سليمان بن علي بن مقبل»، والشيخ «محمد بن عمر بن سليم»، والشيخ «محمد بن سليم»، والشيخ «عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ»، وقد درس عليه في مدينة (الرياض)، أما الشيخ «نذير حسين» -عالم الهند- فقد درس عليه الحديث ومصطلحه، والتفسير، في مدينة (دلهي) ب(الهند)، والشيخ «سلامة الله الهندي»، والشيخ «حسين بن حمد الأنصاري»، ومن خلال رحلاته العلمية هذه زامل عدداً من طلبة العلم الذين أصبحوا فيما بعد من علماء القرن الرابع عشر الهجري، مثل الشيخ «علي بن وادي»، الذي رافقه في رحلاته إلى (الرياض) و(الزبير) و(الهند)، والشيخ «عبدالله بن مفدى» و»سليمان بن سحمان» و»عبدالله بن حسن» و»محمد بن إبراهيم» و»عبدالعزيز المرشدي» و»سعد بن حمد بن عتيق»، الذي كان يدرس في (الهند).

جهود علمية

عيّن -رحمه الله- بالقاهرة بعد ولاية الملك عبدالعزيز على الحرمين، وكان لمكانته العلمية والأدبية أثر في تعريف علماء (مصر) بمعتقد السعوديين، وأنّهم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع، وعلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقد شرح هذا الشيخ "محمد حامد الفقي" -رحمه الله- في ترجمةٍ للشيخ فوزان بعد وفاته ذكر فيها فضائله، وشيئاً من أعماله وصفاته، وكان الشيخ "حامد الفقي" هو الذي غسّل الشيخ "فوزان"، وكفّنه -بوصية من الشيخ فوزان-، ويعدّ هذا دليلا على تقدير العلماء للشيخ "فوزان"، ومن ذلك ما ذكره "صالح السليمان العمري" في معرض ترجمته وحديثة عن الشيخ "فوزان".

رحلاته التجارية

استفاد الشيخ "فوزان" من رحلاته العلمية -عدا طلب العلم– معرفته لطبائع، وعادات، وأساليب، وأنماط المعيشة، في جميع الدول والأماكن التي نزلها، كما استطاع من خلال هذه الرحالات أن يحدد أوجه نشاطه التجاري الذي بدأ به، بعد أن أنهى رحلته الطويلة في طلب العلم، ولذا فقد شرع منذ عودته بممارسة تجارة الإبل والخيول، حيث يشتري الخيول من أسواق (نجد)، ويعرضها في (الشام) و(العراق) و(مصر)، وقد عرف عن الشيخ "فوزان" أنّه أحد أكبر تجار "العقيلات" الذين لم تقف سفراتهم وتنقلهم على (الشام) و(العراق)، بل وصلت (مصر) وربما إلى (ليبيا)، ولذا فقد كان "أمير العقيلات" في كثير من رحلاتهم.

مهام دبلوماسية

اتصل الشيخ "فوزان" بالملك عبدالعزيز بعد دخول الملك ل(الرياض) عام 1319ه الموافق 1902م، واشترك معه في معركة "جراب" عام 1333ه الموافق 1915م، وفي عام 1340ه الموافق 1921م كان الشيخ فوزان موجوداً في (الشام)، وحينها كانت (سورية) تحت "الانتداب الفرنسي"، فاختاره الملك "عبدالعزيز آل سعود" -آنذاك- وكيلاً له في منطقة (الشام)، حتى عُرف بعد ذلك ب"وكيل عظمة سلطان نجد"، وبعد ضم الحجاز عام 1344ه الموافق 1925م أذن الملك عبدالعزيز للشيخ "فوزان السابق" بالسفر من (الشام) إلى (مصر)، وكلفة بأعمال وكالة مملكة الحجاز حينها، وأصبح مسماها حين تسلمها وكالة "مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها"، حتى تمَّ توحيد المملكة تحت مسمى المملكة العربية السعودية، وذلك يوم الخميس 21 جمادى الأولى عام 1351ه الموافق 22 سبتمبر 1932م، ليصبح مسماها وكالة المملكة العربية السعودية في (مصر).

وكالة ومفوضية

وذكر المؤرخ "محمد بن عبدالرزاق القشعمي" أنّه بعد إبرام معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين المملكة العربية السعودية والمملكة المصرية في عام 1355 الموافق 1936م تحولت الوكالة إلى مفوضية، وأصبح الشيخ "فوزان السابق" وزيراً مفوضاً للمملكة العربية السعودية في (مصر)، وافتتح مقر المفوضية رسمياً بحضور رئيس وزراء (مصر) الزعيم "مصطفى النحاس باشا"، وبحضور عدد من الشخصيات المهمة ورجال السياسة العرب والمصريين، وعيّن عدداً من الوكلاء لرعاية مصالح القادمين من السعودية من "العقيلات" تجار المواشي من الإبل، والخيول، في (غزة) ب(فلسطين) ومنهم "عبدالعزيز بن عبيد" في (العريش)، و"عبدالعزيز بن جميعة" في (القنطرة الشرقية)، و"عبدالله وسليمان الرميح" في (الإسماعيلية)، و"حمد بن مسلم"، وإن كان هؤلاء الوكلاء يتولون الأعمال شرفياً، فقد كانوا يقومون على خدمة الرعايا السعوديين بكل جد ونشاط، وكان الشيخ "فوزان السابق" يمثل المملكة العربية السعودية في الاجتماعات الرسمية، وكان على رأس مستقبلي الملك عبدالعزيز في زيارتيه ل(مصر) عام 1365ه الموافق 1945م، وعام 1366ه الموافق 1946م، وهو الوزير المفوض والمندوب فوق العادة لدى الحكومة المصرية، وعندما توسعت أعمال القنصلية عُين الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل" قنصلاً عاماً، وزُودت المفوضية بعدد من الموظفين.

وأورد "صالح السليمان العمري" في كتابه (علماء آل سليم وتلاميذهم وعلماء القصيم) أنّ أحد المعاصرين للشيخ "فوزان السابق" ذكر أنّه طلب مراراً من الملك عبدالعزيز أن يُعفيه من منصبه، لكن الملك عبدالعزيز لم يوافق إلاّ بشرط، أن يختار من يحل محله، وأن يدرَّبه على أعمال المفوضية، فاختار الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل" كأحد الرجال الموثوق بهم، وبعد أن تمرّس بالعمل، وافق الملك عبدالعزيز على إحالة الشيخ "فوزان" إلى التقاعد عام 1367ه الموافق 1948م وعمره حوالي (90) عاماً.

تعدد المهام

تعددت مهام وأعمال "فوزان السابق" في (مصر)، حيث المناشط الثقافية، والعلمية، والسياسية، والاجتماعية، وعليه فقد كان عميد السلك الدبلوماسي في (مصر) لأكثر من (20) سنة، ولذا فقد سعى -رحمه الله- مع الملك عبدالعزيز بطبع عدة كتب مهمة مثل (المغني) و(الشرح الكبير) و(تفسير ابن كثير) و(تفسير البغوي) و(مجموعة التوحيد) و(مجموعة الحديث) و(مجموعة المتون) و(الرسائل والمسائل النجدية) و(البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير)، وغيرها من الكتب، وقد تولى طبع هذه الكتب والإشراف عليها الشيخ "محمد رشيد رضا"، وكان الشيخ "فوزان" –طوال مدة إقامته بالقاهرة– إذا علم بين أحد من أهلها نزاعا أو خلافا حل مشكلتهم برأيه وماله، وله هيبة عظيمة، وتقدير في نفوس الرعايا السعوديين، إذ كان عقيل تجار الخيل والإبل يرتادون (مصر) بالألوف سنوياً، ويقيم بعضهم هناك عدة شهور للتجارة بالخيل، والإبل، والأغنام، -وفقاً لما ذكره العمري-، كما نسخ، بخط يده، عدداً من الكتب في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وطبع كتاب "قواعد ابن رجب " وعمل لتلك القواعد فهرساً منظماً ومصوغاً صياغة فقهية مفيدة، على نفقته، ناهيك عن الكتب الأخرى التي طبعها.

كما ذكر "القشعمي": "بل وأسس مكتبة في مدينة بريدة، ثم وضعها في جامعها، وقد ضُمَت هذه المكتبة إلى المكتبة العامة في مدينة بريدة، -وفق ما أورده إبراهيم المعارك في (أعلام القصيم)-، وقد جرت بيني وبين من ذكرتهم مباحثات عديدة في هذه المسائل التي هي أصل أصول الدين، وهي التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له".

خيل أصيلة

وعرف عن الشيخ "فوزان السابق" حبه وشغفه بتربية الخيول العربية الأصيلة، بل كان من أشهر مربي الخيل في (مصر)، ولعل قصة جواده المشهور (مهلهل) -الذي كان من مقتنيات إسطبله في "المطرية" ب(مصر)- أكبر دليل على شغفه بالخيل وتربيتها، حيث ارتبط هذا الجواد باكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية، ويروي "محمد الفوزان" -نجل الشيخ فوزان السابق- قصة خيل والده (مهلهل)، قائلاً: "في سنة 1927م، حضر مستر كراين لزيارة الوالد، بتوصية من المفوض الأمريكي بالقاهرة، وطلب أن يرى الجياد العربية التي يمتلكها الوالد، وقد استعرضت أمامه الجياد الموجودة في الإسطبل، وعندما وقف أمامه أحد الجياد صاح بأعلى صوته: يا إلهي! ما هذه العظمة؟، كان هذا الجواد اسمه مهلهل، ناصع البياض، وآية من آيات الله، جمال وقوة، فاز بجميع السباقات التي اشترك فيها، لم يتمالك نفسه، وهو يخرج دفتر شيكات من جيبه يوقع أحدها على بياض، تاركاً للشيخ فوزان تقدير القيمة، وقد قال الشيخ فوازان للمترجم: قل للمستر كراين هو لك، وليدخل دفتر شيكاته في جيبه، فإنّ الحصان هدية مني له، حينها دهش المستر كراين لهذا التصرف من الشيخ فوزان، ولم يمض أيام حتى كان الحصان مهلهل على ظهر أحد المراكب المتجهة إلى أمريكا من ميناء الإسكندرية، وفي 10 يوليه سنة 1928م تلقى الشيخ فوزان رسالة من المستر تشارلز كراين وصورة للجواد، جاء فيها: عزيزي الشيخ فوزان.. أرسلت إليك صورة الجواد الجميل، وعلى الرغم من أن ولاية فرجينيا تشتهر بالجياد الممتازة، إلاّ أنّ هواة الفروسية الذين سمعوا عن جوادك يسافرون لمسافات شاسعة فقط ليروا جوادك، ثم يبدون الإعجاب به، أضمن هذا الخطاب سلامي لزعيمكم العظيم عبدالعزيز آل سعود، ولك، وأمانيَّ لكم ولبلدكم بالرفاهية.. المخلص لك تشارلز ر.كراين".

وذكر "القشعمي" أنّه في إحدى زيارات "كراين" للشرق الأوسط قام بزيارة لمقر المفوضية وأبدى رغبته في زيارة المملكة، وقد تمت هذه الزيارة، ووصل المستر "تشارلز كراين" إلى ميناء جدة يوم الأحد 17 ذو القعدة 1349ه الموافق 16 أبريل 1931م، وكان يرافقه الأستاذ "جورج أنطونيوس" مؤلف كتاب (يقظة العرب) كمترجم، وكانت رغبة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- البحث عن مصدر للمياه في المملكة العربية السعودية بصفة عامة، ومناطق الحج بصفة خاصة، وكان عطاء الله أكبر، حيث كان الجيولوجي "المستر كارل إس تويتشل"، أحد العاملين لدى "المستر كراين" في (اليمن)، في مهمة للبحث عن المياه، فأوعز له بالحضور إلى السعودية، ووضع خدماته تحت تصرف الملك عبدالعزيز، على أن تتكفل المملكة بتأمين تنقلاته، وتأمين إقامته ومعيشته، فكان البحث عن مصادر المياه يتم بطريقة علمية كثر الحديث عنها.

كرم حاتمي

عرف الشيخ "فوزان" "رحمه الله" بسخائه وعميم كرمه، ويكاد يشترك في هذه الخصلة مع عدد كبير من سفراء المملكة الذين عرفوا بخصال الجود والكرم، ولا شك حينها أن "فوزان السابق" و"محمد الحمد الشبيلي" كانا علمين بارزين في هذا الميدان، ويذكر الباحثون أنّ منزل الشيخ فوزان ب(مصر) كان موئلاً وملجأ لأهل (نجد)، وحيث كان يتفقد أحوالهم ويتلمس احتياجاتهم، ويذلل لهم الصعاب، بل ويساعد المحتاجين منهم، ويذكر أنّه كان يخصص للفقراء والمحتاجين منهم مخصصات شهرية، حتى إنّه حين توفي أدرك هؤلاء الذين يزورونه أنّه كان يقدم لهم المساعدات من ماله الخاص، في حال علم أنّ ليس لديهم أوامر صرف رسمية.

وذكر "القشعمي" أنّ "ناصر السليمان العمري" أورد في كتابه (ملامح عربية) قصة بعنوان (تقديم المال دون العرض)، هي تدلُّ على حكمة فوزان السابق، وعزة نفسه، جاء فيها: كان "فوزان السابق الفوزان" وجماعة من "عقيل" مسافرين في بادية (الشام)، فنزلوا ضيوفاً لدى رجل من البادية، وأقاموا ليلة في ضيافة البدو، وفي الصباح الباكر تحرك ركب "عقيل"، وفي مقدمتهم "فوزان السابق الفوزان"، وأخذوا طريقهم مغربين، وبعد ساعة من تحركهم لحق بهم رجل يركب فرساً، وشعر به هؤلاء الرجال، فقال فوزان السابق لرفاقه: تقدموا وأنا انتظر صاحب الفرس، وصل صاحب الفرس إلى فوزان السابق وسلم، وقال لفوزان: بتُّم عندنا ففقدنا كيس ذهب، فسأله فوزان عن مقداره فقال: كذا جنيه، وكان "فوزان معتمد المؤسس في (مصر)

السابق" يضع جنيهات في محزم يخفيه تحت ثيابه، فعدَّ جنيهات تقابل جنيهات البدوي، وسلمها له وقال: هذا بعدد جنيهاتكم، ولا حاجة لسؤال جماعتي عن الذهب، فأخذها البدوي ورجع، ومضى فوزان وجماعته في رحلتهم التجارية، وبعد أيام جاء شاب بدوي من أهل الذهب إلى أهله، ومعه عدد من الإبل، فسأله أبوه من أين هذه الإبل؟ قال: اشتريتها من العراق، فقال له: ومن أين لك قيمتها؟، قال: الذهب الذي عندنا، فعرف الأب أنّ ولده هو آخذ الذهب، ولكن ما العذر من الشيخ "فوزان السابق" وجماعته؟، فركب الرجل في أثر "فوزان السابق"، فسلم وبادر إلى تقبيل أنف الشيخ "فوزان السابق" يعتذر، ويطلب العفو والمسامحة، وقص القصة على الشيخ "فوزان" وجماعته، فقبل "فوزان" عذره واستعاد ذهبه.

وفاته

يذكر أنّه قد ولد للشيخ "فوزان" عدد من الأولاد، إلا أنهم توفوا جميعاً قبل البلوغ، وبعد كبر الشيخ وطار غراب رأسه ولد له ولد في 22-3-1939م الموافق 1359ه، سماه "محمد"، فلما بلغ الخبر الملك عبدالعزيز سعد بالخبر، وفرح به، ثم راح يداعب الشيخ فوزان، فأرسل له رسالة فيها: (سبحان من يحيى العظام وهي رميم)، وكان فوزان السابق قد طلب ولعدة مرات من الملك عبدالعزيز أن يعفيه من منصبه، بيد أنّ الملك لم يوافق إلاّ بشرط أن يختار فوزان من يحلّ مكانه، وأن يدربه على الأعمال المنوطة به، فاختار الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل"، الذي يعرفه الملك عبدالعزيز جيداً، ويعرف أسرته وعمومته الذين عملوا بكل جد مع الملك منذ عودته إلى (نجد)، ولذا فقد وافق الملك عبدالعزيز على إحالة الشيخ فوزان إلى التقاعد عام 1367ه الموافق 1948م، وكان عمره آنذاك تسعين عاماً.

ويقال انّه عندما أحيل الشيخ "فوزان" للتقاعد رفض الملك عبدالعزيز أن يخرج من دار المفوضية، وقال لمن سأله عن موعد استلام العمل فيها: "تخرج المفوضية إلى مكان آخر، ولا يخرج فوزان، فالبيت هدية له مني"، وبالفعل كلف "فوزان" بالبحث عن مكان آخر، ووقع الاختيار على (فيلا) مبنى في ميدان "الرماحة" بشارع "الجيزة" الرئيس، فكانت مقرَّ المفوضية، ثم السفارة بعد ذلك، -حسبما روى القشعمي- الذي أكد اهتمام الملك عبدالعزيز بالشيخ، حيث كان يتفقد أخباره ويسأل عنه في كل مناسبة، بل إنّ الشيخ "فوزان" كان قد التقى بالملك عبدالعزيز قبل وفاة الملك في شهر ربيع الأول عام 1373ه، حيث جاء "فوزان" للحج، وقابل الملك في الطائف، وكان هذا آخر لقاء جمع الاثنين، حيث توفي الملك في شهر ربيع، وتوفي بعده الشيخ "فوزان" في الرابع من شهر جمادى الأولى 1373ه الموافق 9 يناير 1954م، ودفن بالقاهرة، وذلك عن عمر يناهز المئة عام (98) سنة، وكان الشيخ "حامد الفقي" هو من تكفل بغسله وكفنّه.

الشيخ فوزان أثناء توقيع معاهدة صداقة وحسن جوار بين المملكة السعودية وإمارة شرق الأردن

صحيفة المرصد:تناول تقرير أعده  منصور العساف  ونشرته صحيفة الرياض قصة فوزان بن سابق بن عثمان بن فوزان آل عثمان الذي كلف من قبل الملك عبدالعزيز بأعمال ومهام دبلوماسية وسياسية .يقول العساف  معد هذا التقرير:تنقل في رحلاته العلمية من وسط (نجد) إلى (الكويت) ف(العراق) لينتهي به المطاف إلى شبه القارة الهندية، ليواصل بعدها رحلاته لإتمام فضيلة «طلب العلم»، وساعياً لتنفيذ أعمال ونشاطات تجارية في كل من (مصر) و(الشام)، لا سيما بعد أن كلف من قبل الملك عبدالعزيز بأعمال ومهام دبلوماسية وسياسية، كان للشيخ «فوزان» دور كبير في كسب ثقة الملك للاستمرار في أعماله المناطة به في منصبه، إلى حين تقاعده الذي استجاب له الملك المؤسس بعد إلحاح من الشيخ «فوزان»، وما زالت أعماله ومهامه السياسية والدبلوماسية لخدمة بلده وأمته محل احترام وتقدير من ولاة الأمر وحتى الباحثين والمؤرخين.

ولد «فوزان بن سابق بن عثمان بن فوزان آل عثمان» في مدينة (بريدة) ب(القصيم) عام 1275ه الموافق 1859م، وبدأ الشيخ «فوزان» مراحل تعليمه الأولى في مدينته (بريدة)، ثم واصل جهوده في طلب العلم في مدينة (الرياض)، ثم سافر إلى (الزبير) و(الكويت)، ونال نصيباً من العلم هناك على يد بعض مشايخ عصره، ثم سافر إلى (الهند) للدراسة على علمائها، وقد حفظ القرآن الكريم أثناء وجوده في بلده (بريدة)، وكان قد تلقى العلم على يد عدد من الشيوخ والعلماء من أشهرهم الشيخ «سليمان بن محمد بن سيف»، والشيخ «ناصر بن سليمان السيف» الذي تعلم على يديه القرآن الكريم والكتابة في كتاتيب (بريدة)، والشيخ «أمين الشنقيطي» الذي درس على يديه في رحلته إلى (الزبير) و(الكويت)، والشيخ «سليمان بن علي بن مقبل»، والشيخ «محمد بن عمر بن سليم»، والشيخ «محمد بن سليم»، والشيخ «عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ»، وقد درس عليه في مدينة (الرياض)، أما الشيخ «نذير حسين» -عالم الهند- فقد درس عليه الحديث ومصطلحه، والتفسير، في مدينة (دلهي) ب(الهند)، والشيخ «سلامة الله الهندي»، والشيخ «حسين بن حمد الأنصاري»، ومن خلال رحلاته العلمية هذه زامل عدداً من طلبة العلم الذين أصبحوا فيما بعد من علماء القرن الرابع عشر الهجري، مثل الشيخ «علي بن وادي»، الذي رافقه في رحلاته إلى (الرياض) و(الزبير) و(الهند)، والشيخ «عبدالله بن مفدى» و»سليمان بن سحمان» و»عبدالله بن حسن» و»محمد بن إبراهيم» و»عبدالعزيز المرشدي» و»سعد بن حمد بن عتيق»، الذي كان يدرس في (الهند).

جهود علمية

عيّن -رحمه الله- بالقاهرة بعد ولاية الملك عبدالعزيز على الحرمين، وكان لمكانته العلمية والأدبية أثر في تعريف علماء (مصر) بمعتقد السعوديين، وأنّهم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع، وعلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقد شرح هذا الشيخ "محمد حامد الفقي" -رحمه الله- في ترجمةٍ للشيخ فوزان بعد وفاته ذكر فيها فضائله، وشيئاً من أعماله وصفاته، وكان الشيخ "حامد الفقي" هو الذي غسّل الشيخ "فوزان"، وكفّنه -بوصية من الشيخ فوزان-، ويعدّ هذا دليلا على تقدير العلماء للشيخ "فوزان"، ومن ذلك ما ذكره "صالح السليمان العمري" في معرض ترجمته وحديثة عن الشيخ "فوزان".

رحلاته التجارية

استفاد الشيخ "فوزان" من رحلاته العلمية -عدا طلب العلم– معرفته لطبائع، وعادات، وأساليب، وأنماط المعيشة، في جميع الدول والأماكن التي نزلها، كما استطاع من خلال هذه الرحالات أن يحدد أوجه نشاطه التجاري الذي بدأ به، بعد أن أنهى رحلته الطويلة في طلب العلم، ولذا فقد شرع منذ عودته بممارسة تجارة الإبل والخيول، حيث يشتري الخيول من أسواق (نجد)، ويعرضها في (الشام) و(العراق) و(مصر)، وقد عرف عن الشيخ "فوزان" أنّه أحد أكبر تجار "العقيلات" الذين لم تقف سفراتهم وتنقلهم على (الشام) و(العراق)، بل وصلت (مصر) وربما إلى (ليبيا)، ولذا فقد كان "أمير العقيلات" في كثير من رحلاتهم.

مهام دبلوماسية

اتصل الشيخ "فوزان" بالملك عبدالعزيز بعد دخول الملك ل(الرياض) عام 1319ه الموافق 1902م، واشترك معه في معركة "جراب" عام 1333ه الموافق 1915م، وفي عام 1340ه الموافق 1921م كان الشيخ فوزان موجوداً في (الشام)، وحينها كانت (سورية) تحت "الانتداب الفرنسي"، فاختاره الملك "عبدالعزيز آل سعود" -آنذاك- وكيلاً له في منطقة (الشام)، حتى عُرف بعد ذلك ب"وكيل عظمة سلطان نجد"، وبعد ضم الحجاز عام 1344ه الموافق 1925م أذن الملك عبدالعزيز للشيخ "فوزان السابق" بالسفر من (الشام) إلى (مصر)، وكلفة بأعمال وكالة مملكة الحجاز حينها، وأصبح مسماها حين تسلمها وكالة "مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها"، حتى تمَّ توحيد المملكة تحت مسمى المملكة العربية السعودية، وذلك يوم الخميس 21 جمادى الأولى عام 1351ه الموافق 22 سبتمبر 1932م، ليصبح مسماها وكالة المملكة العربية السعودية في (مصر).

وكالة ومفوضية

وذكر المؤرخ "محمد بن عبدالرزاق القشعمي" أنّه بعد إبرام معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين المملكة العربية السعودية والمملكة المصرية في عام 1355 الموافق 1936م تحولت الوكالة إلى مفوضية، وأصبح الشيخ "فوزان السابق" وزيراً مفوضاً للمملكة العربية السعودية في (مصر)، وافتتح مقر المفوضية رسمياً بحضور رئيس وزراء (مصر) الزعيم "مصطفى النحاس باشا"، وبحضور عدد من الشخصيات المهمة ورجال السياسة العرب والمصريين، وعيّن عدداً من الوكلاء لرعاية مصالح القادمين من السعودية من "العقيلات" تجار المواشي من الإبل، والخيول، في (غزة) ب(فلسطين) ومنهم "عبدالعزيز بن عبيد" في (العريش)، و"عبدالعزيز بن جميعة" في (القنطرة الشرقية)، و"عبدالله وسليمان الرميح" في (الإسماعيلية)، و"حمد بن مسلم"، وإن كان هؤلاء الوكلاء يتولون الأعمال شرفياً، فقد كانوا يقومون على خدمة الرعايا السعوديين بكل جد ونشاط، وكان الشيخ "فوزان السابق" يمثل المملكة العربية السعودية في الاجتماعات الرسمية، وكان على رأس مستقبلي الملك عبدالعزيز في زيارتيه ل(مصر) عام 1365ه الموافق 1945م، وعام 1366ه الموافق 1946م، وهو الوزير المفوض والمندوب فوق العادة لدى الحكومة المصرية، وعندما توسعت أعمال القنصلية عُين الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل" قنصلاً عاماً، وزُودت المفوضية بعدد من الموظفين.

وأورد "صالح السليمان العمري" في كتابه (علماء آل سليم وتلاميذهم وعلماء القصيم) أنّ أحد المعاصرين للشيخ "فوزان السابق" ذكر أنّه طلب مراراً من الملك عبدالعزيز أن يُعفيه من منصبه، لكن الملك عبدالعزيز لم يوافق إلاّ بشرط، أن يختار من يحل محله، وأن يدرَّبه على أعمال المفوضية، فاختار الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل" كأحد الرجال الموثوق بهم، وبعد أن تمرّس بالعمل، وافق الملك عبدالعزيز على إحالة الشيخ "فوزان" إلى التقاعد عام 1367ه الموافق 1948م وعمره حوالي (90) عاماً.

تعدد المهام

تعددت مهام وأعمال "فوزان السابق" في (مصر)، حيث المناشط الثقافية، والعلمية، والسياسية، والاجتماعية، وعليه فقد كان عميد السلك الدبلوماسي في (مصر) لأكثر من (20) سنة، ولذا فقد سعى -رحمه الله- مع الملك عبدالعزيز بطبع عدة كتب مهمة مثل (المغني) و(الشرح الكبير) و(تفسير ابن كثير) و(تفسير البغوي) و(مجموعة التوحيد) و(مجموعة الحديث) و(مجموعة المتون) و(الرسائل والمسائل النجدية) و(البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير)، وغيرها من الكتب، وقد تولى طبع هذه الكتب والإشراف عليها الشيخ "محمد رشيد رضا"، وكان الشيخ "فوزان" –طوال مدة إقامته بالقاهرة– إذا علم بين أحد من أهلها نزاعا أو خلافا حل مشكلتهم برأيه وماله، وله هيبة عظيمة، وتقدير في نفوس الرعايا السعوديين، إذ كان عقيل تجار الخيل والإبل يرتادون (مصر) بالألوف سنوياً، ويقيم بعضهم هناك عدة شهور للتجارة بالخيل، والإبل، والأغنام، -وفقاً لما ذكره العمري-، كما نسخ، بخط يده، عدداً من الكتب في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وطبع كتاب "قواعد ابن رجب " وعمل لتلك القواعد فهرساً منظماً ومصوغاً صياغة فقهية مفيدة، على نفقته، ناهيك عن الكتب الأخرى التي طبعها.

كما ذكر "القشعمي": "بل وأسس مكتبة في مدينة بريدة، ثم وضعها في جامعها، وقد ضُمَت هذه المكتبة إلى المكتبة العامة في مدينة بريدة، -وفق ما أورده إبراهيم المعارك في (أعلام القصيم)-، وقد جرت بيني وبين من ذكرتهم مباحثات عديدة في هذه المسائل التي هي أصل أصول الدين، وهي التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له".

خيل أصيلة

وعرف عن الشيخ "فوزان السابق" حبه وشغفه بتربية الخيول العربية الأصيلة، بل كان من أشهر مربي الخيل في (مصر)، ولعل قصة جواده المشهور (مهلهل) -الذي كان من مقتنيات إسطبله في "المطرية" ب(مصر)- أكبر دليل على شغفه بالخيل وتربيتها، حيث ارتبط هذا الجواد باكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية، ويروي "محمد الفوزان" -نجل الشيخ فوزان السابق- قصة خيل والده (مهلهل)، قائلاً: "في سنة 1927م، حضر مستر كراين لزيارة الوالد، بتوصية من المفوض الأمريكي بالقاهرة، وطلب أن يرى الجياد العربية التي يمتلكها الوالد، وقد استعرضت أمامه الجياد الموجودة في الإسطبل، وعندما وقف أمامه أحد الجياد صاح بأعلى صوته: يا إلهي! ما هذه العظمة؟، كان هذا الجواد اسمه مهلهل، ناصع البياض، وآية من آيات الله، جمال وقوة، فاز بجميع السباقات التي اشترك فيها، لم يتمالك نفسه، وهو يخرج دفتر شيكات من جيبه يوقع أحدها على بياض، تاركاً للشيخ فوزان تقدير القيمة، وقد قال الشيخ فوازان للمترجم: قل للمستر كراين هو لك، وليدخل دفتر شيكاته في جيبه، فإنّ الحصان هدية مني له، حينها دهش المستر كراين لهذا التصرف من الشيخ فوزان، ولم يمض أيام حتى كان الحصان مهلهل على ظهر أحد المراكب المتجهة إلى أمريكا من ميناء الإسكندرية، وفي 10 يوليه سنة 1928م تلقى الشيخ فوزان رسالة من المستر تشارلز كراين وصورة للجواد، جاء فيها: عزيزي الشيخ فوزان.. أرسلت إليك صورة الجواد الجميل، وعلى الرغم من أن ولاية فرجينيا تشتهر بالجياد الممتازة، إلاّ أنّ هواة الفروسية الذين سمعوا عن جوادك يسافرون لمسافات شاسعة فقط ليروا جوادك، ثم يبدون الإعجاب به، أضمن هذا الخطاب سلامي لزعيمكم العظيم عبدالعزيز آل سعود، ولك، وأمانيَّ لكم ولبلدكم بالرفاهية.. المخلص لك تشارلز ر.كراين".

وذكر "القشعمي" أنّه في إحدى زيارات "كراين" للشرق الأوسط قام بزيارة لمقر المفوضية وأبدى رغبته في زيارة المملكة، وقد تمت هذه الزيارة، ووصل المستر "تشارلز كراين" إلى ميناء جدة يوم الأحد 17 ذو القعدة 1349ه الموافق 16 أبريل 1931م، وكان يرافقه الأستاذ "جورج أنطونيوس" مؤلف كتاب (يقظة العرب) كمترجم، وكانت رغبة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- البحث عن مصدر للمياه في المملكة العربية السعودية بصفة عامة، ومناطق الحج بصفة خاصة، وكان عطاء الله أكبر، حيث كان الجيولوجي "المستر كارل إس تويتشل"، أحد العاملين لدى "المستر كراين" في (اليمن)، في مهمة للبحث عن المياه، فأوعز له بالحضور إلى السعودية، ووضع خدماته تحت تصرف الملك عبدالعزيز، على أن تتكفل المملكة بتأمين تنقلاته، وتأمين إقامته ومعيشته، فكان البحث عن مصادر المياه يتم بطريقة علمية كثر الحديث عنها.

كرم حاتمي

عرف الشيخ "فوزان" "رحمه الله" بسخائه وعميم كرمه، ويكاد يشترك في هذه الخصلة مع عدد كبير من سفراء المملكة الذين عرفوا بخصال الجود والكرم، ولا شك حينها أن "فوزان السابق" و"محمد الحمد الشبيلي" كانا علمين بارزين في هذا الميدان، ويذكر الباحثون أنّ منزل الشيخ فوزان ب(مصر) كان موئلاً وملجأ لأهل (نجد)، وحيث كان يتفقد أحوالهم ويتلمس احتياجاتهم، ويذلل لهم الصعاب، بل ويساعد المحتاجين منهم، ويذكر أنّه كان يخصص للفقراء والمحتاجين منهم مخصصات شهرية، حتى إنّه حين توفي أدرك هؤلاء الذين يزورونه أنّه كان يقدم لهم المساعدات من ماله الخاص، في حال علم أنّ ليس لديهم أوامر صرف رسمية.

وذكر "القشعمي" أنّ "ناصر السليمان العمري" أورد في كتابه (ملامح عربية) قصة بعنوان (تقديم المال دون العرض)، هي تدلُّ على حكمة فوزان السابق، وعزة نفسه، جاء فيها: كان "فوزان السابق الفوزان" وجماعة من "عقيل" مسافرين في بادية (الشام)، فنزلوا ضيوفاً لدى رجل من البادية، وأقاموا ليلة في ضيافة البدو، وفي الصباح الباكر تحرك ركب "عقيل"، وفي مقدمتهم "فوزان السابق الفوزان"، وأخذوا طريقهم مغربين، وبعد ساعة من تحركهم لحق بهم رجل يركب فرساً، وشعر به هؤلاء الرجال، فقال فوزان السابق لرفاقه: تقدموا وأنا انتظر صاحب الفرس، وصل صاحب الفرس إلى فوزان السابق وسلم، وقال لفوزان: بتُّم عندنا ففقدنا كيس ذهب، فسأله فوزان عن مقداره فقال: كذا جنيه، وكان "فوزان معتمد المؤسس في (مصر)

السابق" يضع جنيهات في محزم يخفيه تحت ثيابه، فعدَّ جنيهات تقابل جنيهات البدوي، وسلمها له وقال: هذا بعدد جنيهاتكم، ولا حاجة لسؤال جماعتي عن الذهب، فأخذها البدوي ورجع، ومضى فوزان وجماعته في رحلتهم التجارية، وبعد أيام جاء شاب بدوي من أهل الذهب إلى أهله، ومعه عدد من الإبل، فسأله أبوه من أين هذه الإبل؟ قال: اشتريتها من العراق، فقال له: ومن أين لك قيمتها؟، قال: الذهب الذي عندنا، فعرف الأب أنّ ولده هو آخذ الذهب، ولكن ما العذر من الشيخ "فوزان السابق" وجماعته؟، فركب الرجل في أثر "فوزان السابق"، فسلم وبادر إلى تقبيل أنف الشيخ "فوزان السابق" يعتذر، ويطلب العفو والمسامحة، وقص القصة على الشيخ "فوزان" وجماعته، فقبل "فوزان" عذره واستعاد ذهبه.

وفاته

يذكر أنّه قد ولد للشيخ "فوزان" عدد من الأولاد، إلا أنهم توفوا جميعاً قبل البلوغ، وبعد كبر الشيخ وطار غراب رأسه ولد له ولد في 22-3-1939م الموافق 1359ه، سماه "محمد"، فلما بلغ الخبر الملك عبدالعزيز سعد بالخبر، وفرح به، ثم راح يداعب الشيخ فوزان، فأرسل له رسالة فيها: (سبحان من يحيى العظام وهي رميم)، وكان فوزان السابق قد طلب ولعدة مرات من الملك عبدالعزيز أن يعفيه من منصبه، بيد أنّ الملك لم يوافق إلاّ بشرط أن يختار فوزان من يحلّ مكانه، وأن يدربه على الأعمال المنوطة به، فاختار الشيخ "عبدالله بن إبراهيم الفضل"، الذي يعرفه الملك عبدالعزيز جيداً، ويعرف أسرته وعمومته الذين عملوا بكل جد مع الملك منذ عودته إلى (نجد)، ولذا فقد وافق الملك عبدالعزيز على إحالة الشيخ فوزان إلى التقاعد عام 1367ه الموافق 1948م، وكان عمره آنذاك تسعين عاماً.

ويقال انّه عندما أحيل الشيخ "فوزان" للتقاعد رفض الملك عبدالعزيز أن يخرج من دار المفوضية، وقال لمن سأله عن موعد استلام العمل فيها: "تخرج المفوضية إلى مكان آخر، ولا يخرج فوزان، فالبيت هدية له مني"، وبالفعل كلف "فوزان" بالبحث عن مكان آخر، ووقع الاختيار على (فيلا) مبنى في ميدان "الرماحة" بشارع "الجيزة" الرئيس، فكانت مقرَّ المفوضية، ثم السفارة بعد ذلك، -حسبما روى القشعمي- الذي أكد اهتمام الملك عبدالعزيز بالشيخ، حيث كان يتفقد أخباره ويسأل عنه في كل مناسبة، بل إنّ الشيخ "فوزان" كان قد التقى بالملك عبدالعزيز قبل وفاة الملك في شهر ربيع الأول عام 1373ه، حيث جاء "فوزان" للحج، وقابل الملك في الطائف، وكان هذا آخر لقاء جمع الاثنين، حيث توفي الملك في شهر ربيع، وتوفي بعده الشيخ "فوزان" في الرابع من شهر جمادى الأولى 1373ه الموافق 9 يناير 1954م، ودفن بالقاهرة، وذلك عن عمر يناهز المئة عام (98) سنة، وكان الشيخ "حامد الفقي" هو من تكفل بغسله وكفنّه.

الشيخ فوزان أثناء توقيع معاهدة صداقة وحسن جوار بين المملكة السعودية وإمارة شرق الأردن

متعلقات