جريدة اليوم 1150 مشاهدة

يعرف أغلب أرباب الأسر أن أمور تربية الأولاد ليست بالأمر السهل، إذا كانوا ممن يتجشم تعب المتابعة وعناء الترقب وقلق الأخطاء أو المشكلات، التي قد تنشأ عن المسؤول عن التربية، أو عن الأولاد أنفسهم. ويعرف ذلك بدرجة أقل منهم الأولاد، الذين يرقبون مشاعر والديهم أثناء التربية، وبعد انقضاء مراحلها وترقب نتائجها، مع أن هناك من الأولاد من لا يدرك ذلك أو لا يعنيه، أو يعده من مسلمات الأمور، مثلما أن هناك في المقابل من أولياء الأمور من يترك أمر التربية إلى عوامل الزمان واجتهادات الصغار وشخصياتهم، والأقدار التي تسير الأولاد حسب الظروف البيئية المحيطة بهم. فماذا عن النمو ومراحله، التي يرقبها المربي، وهو (أقصد المهتم والمتفاعل مع عوامل النمو واحتياجاته)، هائم وفرح وقلق في الآن نفسه؟ فهل التربية عمل عقلاني ومحسوب العواقب، بالنسبة للوالدين والأقارب (باستثناء التربية في المدارس)؟ لا يكاد المنظرون لهذه الأمور يجمعون على اتفاق في هذا الشأن، فمنهم من يرى الأمور متفاوتة حسب بيئة التحضر، وسيطرة التقاليد وتحكم كثير من القيم الدينية والعادات المرتبطة بها، فيما يرى آخرون هيمنة الأنانية على أغلب منظومات التربية، وإن كانت في الأصل تعتمد على عوامل وجدانية ومشاعر عاطفية، كما ترى بعض النظريات أن للجينات دورًا كبيرًا في حسبان العواقب، وما قد يعده المرء عقلانيًا أو غير ذلك. لكن هناك تقاطعات مع أنواع أخرى من التربية، وعلى وجه الخصوص تربية الأشجار المنزلية والاعتناء بها. ففي الحالتين توجد سمات متقاربة لآليات التربية ومتابعة النمو، وترقب ما يحدث في كل مرحلة من مراحل النمو من ازدياد أو تغير في الحركة أو الصوت (بالنسبة للأولاد) أو شحوب في اللون أو نقص في التربة أو الماء أو الضوء (بالنسبة للشجيرات). فكم يبقى من يحب النباتات ويحنو عليها متابعًا لقطرات الماء، وهي تخرج مع آخر ورقة صغيرة في أعلى الشجيرة بعد السقيا، أو فرحًا بغصن جديد يظهر في أحد فروعها. كما يهتم بين وقت وآخر بتغيير أماكنها أو تجديد تربتها أو تغيير عقلاتها بما يتناسب مع نموها، وإضافة شجيرات أخرى إلى جانبها، حيث تجلب له وللشجيرات القديمة الأنس والبهجة. فربما تتساوى تلك المشاعر في كثير من الأحيان مع ما تشعر به كثير من الكائنات الحية مع صغارها، في الرعاية والعناية والزهو. أما فيما يخص التسامي، فإن ذلك يكاد يكون صفة خاصة بالإنسان دون غيره. فلم يذكر العارفون بأمور الحيوانات الأليفة، ولا النباتات المنزلية أو حتى الخارجية منها، أنها تتفاعل بصورة عكسية مع الاهتمام بها والاعتناء بظروف عيشها. فأغلب ما عرفه الإنسان من تلك الكائنات، أن الحيوان الأليف يزداد وفاء ومحبة لصاحبه، الذي يعتني به باستمرار، ويقضي معه أوقاته، وكذلك تكون الأشجار، التي يعتني بها أصحابها، ذات ثمر طيب أو ظل وارف ومنظر بهيج يسر صاحبه حين يراه. وقد قرأت قبل أيام للصديق العزيز والرائد المسرحي محمد العثيم قولًا محزنًا يقترب من ذلك التحليل الموصوف أعلاه بصفة التسامي، بأن الأشجار تنفض أوراقها في الخريف استعدادًا لاستقبال الشتاء، الذي يعقبه الربيع، حيث تعود للاخضرار، أما الإنسان في خريف العمر، فإنه كذلك ينفض عنه الأولاد والأصدقاء، لكنه خريف، ما بعده ربيع!

متعلقات