جريدة اليوم 27 مشاهدة

الأصل في صياغة لائحة ما هو التنظيم، فهي في الغالب تعنون بـ (اللوائح المنظمة لـ...). والحديث عن أهمية وضع مثل هذه اللوائح التنظيمية لا يحتاج الى مزيد من الايضاح، ولكن قد يختلف البعض في شأن الروتين الذي قد تحدثه هذه اللوائح في سير العمل وقد يختلف البعض الآخر في شأن الصلاحيات التي تمنحها هذه اللوائح لبعض الجهات دون جهات أخرى، ويمكننا أن نسهب في الانتقادات السلبية أو الايجابية التي يمكن أن تكون محل جدل عند البعض، ولكن في نهاية المطاف هذه اللوائح وجدت للتنظيم، وهذا لا خلاف عليه.أما ما قد يُختلف عليه فهو فهم تلك اللوائح، فالبعض بدل أن يراها أداة تنظيم، يراها أداة تكبيل وتعطيل. وربما الكثير منا سمع بقصة شخص أراد أن يقضي مصلحة ما في إحدى الدوائر، ولكن المسؤولين في تلك الدائرة طلبوا منه طلبات معقدة وربما تعجيزية في بعض الأحيان قبل النظر في طلبه، ولكن بمجرد مراجعة فرع آخر لنفس الدائرة -ربما في مدينة مجاورة- قُضيت حاجته بيسر وسهولة رغم اتباع نفس اللوائح ونفس المرجعية الإدارية، ولكن فهم اللوائح بين الجهتين اختلف اختلافا كبيرا. هذا التفاوت في أسلوب العمل بين الفرعين سببه التفاوت في طريقة فهم المسؤولين لتلك اللوائح بلا شك.هذه مشكلة لا أعتقد أنها قابلة للحل إلا بتبدل الفهم أو باستبدال الشخص المسؤول بغيره، وهذه مسائل الحديث عنها يطول، لكن ما أردت الحديث عنه في هذا السياق هو مستوى الإنتاجية والإبداع والتفاني الذي يحدثه المسؤول الذي يتبنى فهما مرنا للوائح التنظيمية، مع هذا النوع من المسؤولين الكل مستفيد، وتحت قيادته يجد المبدعون مساحة رحبة لإظهار طاقاتهم، وعلى النقيض، المسؤول الذي يفهم اللوائح فهما ضيقا إنتاجيته تقل والعاملون تحت إدارته يشعرون بضنك شديد إزاء هذا الفهم الضيق.وخير مثال صريح على ذلك هو الجامعات، فقد قام معالي وزير التعليم منذ ستة أشهر تقريبا بوضع رابط على حسابه في موقع «تويتر» يسمح بالاطلاع على مسودة نظام الجامعات الجديد إذ يمكن من خلال هذا الرابط أن تضع مرئياتك على هذه المسودة، وهي مبادرة يشكر عليها، وكم أتمنى ونحن نترقب صدور هذا النظام الجديد أن يقوم المسؤولون في الجامعات بفهم محتواه فهما مرنا يسمح لجامعاتهم بالانطلاق نحو آفاق أوسع تمنح المبدعين من منسوبيها مساحات وفرصا أكثر لإظهار إمكاناتهم، فكم من فكرة رائدة لم تر النور بسبب الاتباع الحرفي الحذر للوائح والأنظمة في أروقة المجالس المتعددة، وبسبب انتظار محاضر تلك المجالس وتواقيع أعضائها، في حين كان الأجدر أن يتم البحث عن الثغرات التي من خلالها يمكن تذليل الصعاب وتسريع الانجاز. في هذا السياق يجب أن نشكر أصحاب المعالي مديري بعض الجامعات وبعض المسؤولين فيها على هذا الفهم المرن للوائح والأنظمة، فتجد جامعاتهم أشبه بخلية النحل لكثرة الأنشطة الأكاديمية وغير الأكاديمية داخل أسوارها، والتي تتسم بالجدية والإبداع، فلا يكاد تمر أيام معدودة إلا وهناك مؤتمر أو ندوة أو فعالية يحضر فيها المتميزون في مجالاتهم، كما تجد المبادرات المتميزة التي رأت النور بعد أن لاقت دعم وتشجيع وثقة المسؤولين في تلك الجامعات، فوجِد أثر هذه المبادرات داخل الجامعة وخارجها، فأحس منسوبوها بالانتماء وتأصل الولاء بسبب هذا الدعم الذي هو في الأساس دعم معنوي، فلسان حال المسؤولين في تلك الجامعات يقول: نحن لن ندخر جهدا في تسهيل مهمتك، أما في بعض الجامعات الاخرى فلسان حال مسؤوليها يقول: نرغب في دعمك لكن اللوائح لا تسمح. هذا النوع من المسؤولين في الجامعات غالبا ما تجد جامعاتهم خاوية على عروشها.

متعلقات