جريدة اليوم 46 مشاهدة

الوقت يقولون كجدول في شهر نيسان، يبري الجراح، ولكنه في مواسم مدمر كالفيضان العارم. والوقت متضارب المهام، متغير المزاج، فهو في أحيان يطبطب كالمربية على خدودنا، وأحيانا يثور ويقسو وكطاغية يمزقنا. وهناك وقتٌ لأي شيء ولأي غرض تحت السماء، ولكنه دوما غير كافٍ. والوقت يطير، ويحبو، ويجري، ويسابق. الوقت يمكن أن يجعل الثانية خاطفة، ويمكنه أن يجعلها تتمطى وتتمدد. الوقت تيار عنيف جارف لا ينتظر أحدا، وأحيانا يثقل ويسكن كالجاثوم.كما أن الوقت قد يكون خاصا وحميميا جدا كدقات قلب المرء في صدره، وقد يكون عالميا كدقات ساعة بيج بن. ولا حيلة لنا أمام هذه التضاربات والتناقضات إلا أن نحاول الاتزان والتوازن. والوقت ثمين جدا، بل هو «السلعة الأثمن» للبشر وحتى السيارات الكونية والمجرات. ومع ذلك لا نعرف ماهيّة هذه السلعة، كما لا نعرف من أين يأتي هذا الوقت، ولا إلى أين يمضي. ومع علمنا بأن الوقت أثمن ما نملك إلا أن ثلثه في وقتنا المتاح نمضيه بالنوم، وبعضنا يملك الجرأة المسحوبة الذكاء ليقول إنه يريد أن يضيع الوقت. لا تخف يا أخي فالوقت يضيع بذاته وصفته. ولو اجتمع كل رياضيي الأرض وفيزيائييها لحساب كم باق من الوقت لما عرفوا ولن يعرفوا، فهو لا يقاس حتى باللانهائية ولا بأي تطلع نسبي محسوب. كما أن كل فرد لا يمكن حساب وقته المتبقي، ومن هنا صارت كل لحظة زمن جوهرة لا تعاد ولا تُقتنى وإنما تغتنمها اغتناما. وويل لمن تمر عليه لحظات الوقت ويعاملها كالحجر بلا معنى وبلا قيمة. والوقت والذاكرة يحددان من نحن. نحن أسراء اللحظة الراهنة، ولكننا عملاء المستقبل بذات الوقت، وهذه المسألة التي جادل بها الرياضيون والفلكيون والفلاسفة. هناك من يؤمنون، وهي من قناعاتي أيضا، بأن الوقت محدد الأبعاد ثابت الوجود كبقية عناصر الكون، صحيح أننا نلمس الحاضر، ولكن الوقت ليس هلاميا بل هو ثابت الوجود.. على أننا لم نصل بعد إليه.وهذا يذكرني بقصيدة بالإسبانية لشاعر الإرجنتين العظيم خورخي لويس بورخيس، يقول في أحد أبياتها:«إن الوقت هو النهر الذي يحملني ولكني أنا النهر، الوقت هو النمر الذي يمزقني، لكني أنا النمر، الوقت هو النار التي تحرقني لكني أنا النار»... وسلامتكم.

متعلقات