صحيفة العرب 26 مشاهدة
صور مؤلمة للمسلمين في أسبانيا - يرويها الدكتور عبد العزيز سرحان

خلال تواجدي بأسبانيا، شاهدت صوراً مؤلمة، لبعض شرائح الجالية الإسلامية التي تعيش هناك، فحالة بعضهم يرثى لها، ولقد اخترت بعض هذه الصور لعرضها على القارئ الكريم .

ففي أسبانيا، كما هو الحال في جميع أنحاء أوروبا، يتواجد عدد كبير من الشباب العربي والمسلم، نزحوا من ديارهم من الشمال الأفريقي، ومن سوريا ولبنان والأردن ومصر وموريتانيا والسودان وغيرها من بلاد المسلمين، آملين أن يجدوا عملا في تلك البلاد، وكانوا يتصورون، أنهم بمجرد وصولهم إلى أوروبا، فإن الأوربيين سيستقبلونهم بالأحضان، ويفرشون لهم الأرض بالورد، ومعظم هؤلاء، ليس لديهم مؤهلات للعمل، ولا أوراق نظامية ولا إقامات رسمية، في تلك البلاد .

وحيث أن الدول الأوربية تعاني من البطالة، والتي وصلت نسبتها في أسبانيا لأكثر من 12% عام 1994م، فإن هؤلاء الشباب لم يجدوا عملا، وأصبحوا مشردين في تلك البلاد، وملاحقين من سلطاتها، وكثيرا ما يلجأ هؤلاء المشردين إلى المركز، يريدون اتخاذ المركز وحديقته وبعض قاعاته مكانا للجوء والاختباء، حتى أن بعضهم كان يتحايل للدخول للمركز، بحجة الصلاة في مسجده، ثم يتوارى داخل الحمامات، أو في المرآب، وقد تم اكتشافهم وتفهيمهم بأن ما يقومون به لن يحل مشكلتهم، كما قام المركز بالتدخل لحل مشكلات البعض والتي كانت في حدود إمكاناته ومقدوره .

ومن تلك الصور المؤلمة، سفر الفتيات المسلمات لأوروبا بحثا عن العمل، ولا أدري كيف سمح لهن بالسفر بمفردهن، فكثيرا ما يقعن فريسة سهلة لذئاب بشرية لا ترحم أنوثتهن ولا ضعفهن .

مسلمة مع المجهول ؟ ...

هذه مشكلة امرأة مسلمة عربية، من دولة شمال أفريقية، تزوجت من شخص هجرها بعد أن أنجبت منه طفلا، ولم يترك لها – حسب أقوالها – شيئا . حتى جواز سفرها وهويتها لم يتركهما لها، وكانت تريد من المركز أن يساعدها في إحضار زوجها إليها، أو تسفيرها لبلادها، وقد قام المركز بعمل اللازم لهذه المرأة، بالاتصال بالمسئولين وبسفارة بلادها، ولكننا دهشنا، فلا السلطات ولا سفارة بلادها أرادت أن تجد لمشكلتها حلاً طالما أنها لا تملك ما يثبت هويتها، وقامت جمعيات تنصيرية مختلفة بسحبها تحت مظلتها، كما أخذت جمعية تنصيرية أخرى طفلها بالقوة ثم استرجعته، وأوذيت أكثر من مرة من العابرين ومرتادي الحديقة، فقد كانت تعيش وطفلها في الحديقة المقابلة للمركز، ولم تترك ذلك المكان إلا بعد سنة كاملة، وكان المركز يقدم لها ولطفلها احتياجاتها الضرورية، لكي يظلا على قيد الحياة، ولكم كان أشد ما يؤلمنا هو وجود هذه الأم وطفلها مشردين، لا يستطيع الإنسان أن يقدم لها أكثر مما فعلناه، فللمركز حدود نظامية يجب ألا يتعداها، وكان الأمر يمكن أن يحل بواسطة ثلاثة أشياء: السلطات المحلية، وسفارة بلاد تلك المرأة، ووجود الأوراق الثبوتية لها، وكل هذه الأشياء كانت مفقودة ؟! .

وإليك أخي القارئ صورة أخرى من مئات الصور التي تحمل بين طياتها المآسي والبؤس، وهذه الصورة أكثر ألما في النفس من سابقتها .

طفلتان مسلمتان في دار التنصير :

رجل من بلاد المغرب، كنت أشاهده يصلي دائما معنا، ولا ينقطع عن المسجد أبدا، وفي يوم من الأيام قابلني به أحد موظفي المركز وهو يقول لي : يا دكتور، إن هذا يضع طفلتيه لدى مؤسسة حكومية تقوم بتربيتهما ورعايتهما، وهذه المؤسسة عبارة عن ملجأ مسيحي تنصيري، وكل من فيه ينشأ على الديانة المسيحية، فسألته عن السبب . فقال لي الرجل : لقد طلقت أمهما ولم أستطيع تربيتهما بعد أن رمتهما أمهما لي، وسافرت للمغرب، فوجدت نفسي عاجزا عن القيام بواجب رعاية وتربية طفلتي، فأخذتهما مني هذه الجمعية المسيحية لتربيتهما، فسألته – وكنت في غاية الدهشة والألم يعتصرني – وهل أنت موافق على ذلك ؟!! .

فقال لي : الله غالب ... وانحدرت من عينيه دمعتان .

فقلت له بأن يخبر الجمعية، بأنه أصبح قادرا على تربية طفلتيه، وأن المركز سيقدم لك جميع الضمانات اللازمة، كما أخبرت موظف المركز – من طريق آخر – بأن يتحرك لإنقاذ الطفلتين عن طريق محامي المركز، وظننت أن الأمر سهل، وأننا نستطيع تخليص الطفلتين ولكن الأب لم يساعدنا في هذه المهمة، وكأنه رضي ببقائهما، وبقيت الطفلتان في الملجأ تواجهان مصيرا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ولم يستطع التحرك بسبب قوانين البلاد . طالما لا يوجد إذن من والدهما!!! وضاعت الطفلتان، كما ضاعت الأندلس .

وحتى كتابة هذه السطور، وأنا أتمزق لما يحدث للمسلمين في الغرب، فهم في كثير من الأحيان يكونون سببا لتعاسة أنفسهم، ويكونون سببا للمشكلات التي تقع لهم ... فالفخاخ والمصائد والمكائد التي تنصب لهم كثيرة وخبيثة، وهدفهم تعرية المسلم في الغرب، وإلصاق تهم التخلف والجهل إليه، وآخرها، وليس بآخرها، تهمة الأصولية والإرهاب .

وطبعاً، فإن هناك صورا مشرقة لكثير من الشباب الذي درس في أسبانيا، وأقام فيها باختياره، أو بسبب قوانين بلاده التي جعلته يهاجر ويقيم في بلاد أخرى، فمنهم من حفر في الصخر وتعلم وتفوق على أهل البلاد الأصليين أنفسهم، فقد شاهدت شبابا أصبحوا رجال أعمال وأطباء وأساتذة جامعات ومهندسين ومحامين، وأثبتوا أن هناك أوجه كثيرة للعرب والمسلمين، يفخر بها العرب والمسلمون، ويقدرها الغرب، ولكن هذه الفئة، نسبتها قليلة، بالنسبة للكم الهائل من المسلمين الذين ينتشرون في أوروبا، والذين تلفهم البطالة وتطاردهم العدالة .

وتمنيت أن تقف الحكومات العربية والإسلامية لمساعدة رعاياها في الخارج، وتشجيعهم على العودة لبلادهم، فأكل ( خبز وملح ) والنوم على ( حصير ) أو حتى على ( رمال الصحراء الكبرى )، أهون من بقائهم متسكعين يستجدون الناس، ويلبسون ثوب المذلة والمهانة في أوروبا

متعلقات