صحيفة المواطن 39 مشاهدة
كفى

صرخات استنجاد، عويل، بكاء، نداءات استعطاف، دماء تسيل، أصوات استغاثة تخنقها العبرات، ضربات قلبِ مُتسارعة، أجساد مُرتعشة خائفة لا تقوى على الوقوف، كدمات زرقاء، دموع منهمرة، كلّ هذا وأكثر ليس لقطةً سينمائية لفيلم رعب ولا بداية روائية لقصة بوليسية يكتنفها الغموض، بل ذلك هو الواقع المرير للمُعنّفات اللاتي يتعايشن معه في كلِّ لحظةٍ!

المعنفات اللائي يتعرضن لأقسى وأبشع الأساليب اللاإنسانية في التعامل من ذكورٍ أقلّ ما يُقال عنهم تجرّدوا من أدنى المعايير الإنسانية، ألا وهي الرحمة.

وممّا لا شك فيه أن العنف تزايدت وتيرته في الآونة الأخيرة؛ لذا هناك سؤال مهم يطرح نفسه:

هل العنف بهذا الكم الهائل وبهذه الوحشيّة لم يكنْ موجودًا سابقًا أم السوشيال ميديا هي من سلّطت الضوء عليه ليظهر للعلن لإنقاذ الضحايا؟!

الإجابة حتمًا أنه يوجد اختلال حقيقي في الموازيين الأخلاقية، وأن العنف ليس حدثًا جديدًا، بل هو موجود سابقًا، ولكن الفرق يكمن ما بين الماضي والحاضر أن الأفواه كانت مكممة وربما كانت حالات فردية، ولكن حاليًّا أصبح الأمر ظاهرة مجتمعية تُهدد الأواصر الإنسانية ومع أن الدولة تتصدّى بكلِّ حزمٍ وقوة لهذه الظاهرة من خلال القوانين الصارمة والحملات التوعوية ضدّ المُعنِّف وتحمي المُعنفات، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت في تزايد، والسوشيال ميديا ساهمت كثيرًا في إيصال أصوات المعنّفات وإنصافهن واستعادة حقوقهن المسلوبة، وحتمًا التفاعل الهائل من كافة أطياف المجتمع السعودي مع كل قضية تعنيف تظهر للعلن عبر السوشيال ميديا غير مسبوق، وهو برهان على الوعي العظيم للشعب السعودي وذلك مفخرة لنا، ولكن ماذا عن الآلاف القضايا للمعنّفات والتي لم تصل للملأ ولم تجدْ طريقها للنور!!

ما هي مصائرهن؟!

كيف ستستمر حياتهن إن لم يُنصفن وظلّت قصصهن مع التعنيف سجينة في قلوبهن قبل منازلهن؟!

ما السبيل للوصول إلى جميع المعنّفات كي ينتفضن ليحصلن على حقهن الطبيعي في الأمان والاستقرار؟!

حتمًا السبيل الوحيد لكلِّ ذلك هو توعيتهن بحقوقهن وواجباتهن وطمأنتهن بوجود قوة القانون وهيبة الدولة التي ستحميهن من ذلك المعنّف مهما كان، سواء أب أو أخ أو زوج، لذا سأتوجه بأربع رسائل.

الرسالة الأولى (للمعنّفات):

عزيزتي المرأة خلقكِ الله مكرّمة وحفِظ لكِ كرامتكِ الآدمية؛ فكيف تسمحين لأيٍّ كان يسلبكِ تِلكَ الكرامة؟! كيف تحتملين كل هذا العذاب النفسي والجسدي دونما ستنجدين بأهلكِ أو بالجهات المختصة؟! أنتِ أنثى عظيمة ومن حقكِ أن تحيي حياة كريمة بلا إهانة بلا امتهان، ولا تجعلي قناعتكِ في الحياة بأنكِ تصبرين طبقًا للمثل الشعبي القائل (ظلّ راجل ولا ظل حيطة)، بل اعلمي أن الحياة لن تتوقف على ذكرٍ لا يمت للرجولة بصلة، لذا غاليتي حينما تواجهين تعنيفًا فاتصلي فورًا على 1919 وهم سيتحركون سريعًا لإنقاذكِ، ولكن إياكِ أن تضيّعي حقكِ في معاقبة من عنّفكِ، فللأسف الشديد الكثير من القضايا التعنيفية أُغلقت دون معاقبة الجاني؛ وذلك لتنازل الضحية المعنّفة عن حقوقها، إما خوفًا من نظرة البعض لها وإما خوفًا منه وإما عدم وعي بحقها أو جهلًا بقدرة الدولة على حمايتها؛ لذا كوني قويّة وحاسمة في موقفكِ مع من يُعنّفكِ وينتهك آدميتكِ بقسوة.

الرسالة الثانية (لكلِّ أب وأم):

ربّوا أبناءكم على احترام الكرامة الإنسانية وعدم السماح بالمساس بها، واتقوا الله في أولادكم فلا تزوجوهم بحجة إصلاحهم تحت شعار (زوجوه يعقل)، فلو أنتم لم تستطيعوا تربيتهم وتعقيلهم فهل الزواج سيفعل؟!

حتمًا لا بل إن هؤلاء هم سبب المأساة الحقيقية والمعنَفات غالبًا ضحاياهن، أما بناتكن يا أيها الآباء كونوا لهن ملاذًا فلا تجعلوهن كطيرٍ كُسرت أجنحته فاحموهن ولا تكونوا أنتم أو إخوانهن أو أزواجهن معنّفين لهن، بل احتووهن فكم من قضية تعنيف بدأت بصفعة وانتهت بجريمة قتل لتِلك المعنّفة بسبب خذلان الأهل لها وعدم مساعدتهن.

الرسالة الثالثة (لكلِّ معنِّف):

لا تعتقدْ أن رجولتك المزعومة وقوتك الموهومة النابعة من تقاليد وعادات وأفكار ركيزتها الأساسية إهانة المرأة والتلذذ بعذابها هي من ستصنع منك رجلًا كامل الرجولة، بل إن استقواءك عليها ما هو إلا دلالة على مدى ضعفك وشعورك العميق بالنقص والفشل، لذا فلتعلم أن الرجل الحقيقي هو من يحمي أمه، زوجته، شقيقته، ابنته، لا من يستعرض عليهن عضلاته المفتولة مُستغلًّا عدم قدرتهن على الدفاع عن أنفسهن، وكل ذلك ليُكمل ذلك النقص الذي يشعر به.

الرسالة الرابعة (للجهات المختصة المُتمثلة في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية):

جهودكم رائعة وتفاعلكم سريع جدًّا مع كل قضية تعنيف تصل للإعلام عبر منصات السوشيال ميديا واتخاذكم لكافة الإجراءات التي تضمن حماية وسلامة المعنّفات تُذكر فتُشكر، لكن نأمل منكم المزيد من نشر التوعية كي نصل وننصف جميع المعنّفات المكممة أفواههن ويخشين التحدّث عمّا يحدث لهن خلف الأبواب المغلقة، فهن يستحقن العيش الكريم.

ختامًا:

كونكِ معنّفة لا يعني أن تستسلمي لذلك المعنِّف، بل يجب أن تنتفضي وتدافعي عن نفسكِ رغبةً في نيل كافة حقوقكِ، وثقي تمام الثقة أن حقوقكِ كامرأة ستنالينها حتمًا؛ فرؤية السعودية 2030 ترتكز على إنصاف النساء وسنّ قوانين وأنظمة تضمن لهن حياة مستقرة وعادلة، ولكن كي تنالي كل تِلكَ الحقوق يجب عليكِ أن تُبادري أنتِ أولًا برفع الظلم عنكِ باللجوء للمختصين فكفى صمتًا، وكفى ضعفًا، وكفى خنوعًا؛ فأنتِ قادرة على التحرر من كل القيود التي فرضها عليك المعنّف.

متعلقات