صحيفة تغطيات 63 مشاهدة
سوء الظن وهم وظلم

الكاتب / بدر بن عبد الكريم السعيد

b.abdulkareem@hotmail.com

———————————

لقد شاع كثيراً انعدام الثقة وإساءة الظن بالآخرين وتغليب جانب السوء على جانب الخير، فكم هو مؤلم أن يتعرض الإنسان لمثل تلك المواقف وهو بعيد كل البعد عن ما أسيء به من ظن وكما يقال هذا بواد والآخر بواد آخر! فإساءة الظن تأتي بعواقب وخيمة وضرر تتكالب فيه المصاعب واهتزاز للشخصية تارة والانطواء مع الذات تارة أخرى فتنعكس الآثار السلبية تلك على من أسيء به الظن – وعلى من حوله في المجتمع، فالاستمرار في إساءة الظن والشك يتدرج حتى يصل إلى حد “الظلم وإلصاق التهم” بصفات منبوذة وكريهة، فيقف من أسيء به ظناً وظلماً حائراً بعدما قد بني على سوء الظن بتشويه سمعته، إن سوء الظن يعتبر مرض العصر ويتسم بالوهم والخيال في أشياء غير موجودة أصلاً فمن كان على هذه الشاكلة يصدق نفسه ولا يبالي ويصر على موقفه ظلماً وعدواناً، ويعتبر هذا نوعاً من الفطنة والنباهة حتى أنه لو اتضحت له الحقيقة لاحقاً بأنه أخطأ وأن كل ذلك كان مجرد شكوك واشتباه وتصرفات عفوية، إلا أنه يصر على رأيه ويكابر بكل استعلاء وقسوة قلب: “فبهذا التصرف والعناد يذكرنا بقصة الرجلين اللذين كانا في الصحراء وأحدهما مكابر ويصر على رأيه حتى وإن تبين له خطؤه فكان الرجلان يمشيان في الطريق، في الصحراء فرأيا سوادا من بعيد فقال أحدهما للآخر: ماذا تتوقع أن يكون هذا السواد؟ قال والله هذا شكله ماعز. قال: لا لا. هذا غراب قال: لا. هذا ماعز قال الآخر: غراب أنظر إليه إنه غراب. أكملا طريقهما حتى اقتربا أكثر فالذي قال غراب، تبين له حقا أنه غراب يحرك جناحيه. فقال: هل رأيت؟ إنه غراب قال: لا بل ماعز وهذا الهواء يحرك شعرها مشيا حتى اقتربا أكثر. قال: يا أخي، ألم أقل لك غراب؟ يقفز في مشيته قال: يمكن أن يكون ماعز كسرت ساقها وتمشي هذه المشية اقتربا أكثر.. فطار الغراب قال له: هل رأيت؟ هاهو الغراب قد طار قال: قلت لك ماعز، ماعز ولو طار؟! فمن كان على هذه الشاكلة إنما هو في غاية الشؤم، قال تعالى: “وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا” النجم: 28

لقد دأب السلف الصالح رضي الله عنهم عند صدور قول أو فعل مثل ذلك فإنهم يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير حتى قالوا: التمس لأخيك سبعين عذراً.. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا” رواه البخاري، وغالباً الذي يتصف بتلك الصفات الممقوتة يكون بقلبه مرض ويمتلك حلاوة اللسان تجعله مؤثراً على من حوله من الناس ليصدقوه.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا، وأنت تجد لها في الخير محملا، فبالله كيف التعامل مع من هو على هذه الشاكلة؟.. ما هي الطريقة المثلى المناسبة التي تتطلب ذلك؟ الأفضل هو تركه وعدم الجدال معه فالله حسيبه، فقد نهى الله عز وجل عن الظلم وتوعد الظالمين بالعذاب الأليم، قال تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) غافر: 52، ألا تعلم أيها الظالم يا من اغتررت بالدنيا أن الله خصمك وأنه لك بالمرصاد في حياتك وعند مماتك ويوم القيامة فأين تذهب؟ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ولخطورة الظلم وما يترتب عليه من وعيد وعذاب شديد من الله وتوعده للظالمين في الدنيا والآخرة فلننظر ماهي عقوبة من يساعد الظالم على ظلمه؟، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من أعان ظالماً ليدحض بباطله حقاً فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله” أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.

أي ان الذي يعين الظالم يسخط الله عليه فيخسر الدنيا والآخرة، وهذا جزاء من يعين الظالم على ظلمه فكيف بحال الظالم نفسه الذي توعده الله بمضاعفة العذاب والعياذ بالله، ذلك الخسران المبين، فيجدر بالإنسان المسلم أن يحمل في عقله وذهنه صفة سلامة النية والنصيحة والحب وابتغاء مرضاة الله لسعادته وسعادة الآخرين.

من شعر (أبو العتاهية):

أما والله إن الظلم شؤم ** ولا زال المسيء هو الظلوم

إلى الديان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم

لهوت عن الفناء وأنت تفنى ** فما شيء من الدنيا يدوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا ** غدا عند المليك – من الملوم؟

متعلقات