صحيفة الوئام 33 مشاهدة
الشيخ سعود الشريم: لسان المسلم ينبغي أن يكون كالمرآة لمجتمعه

أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم المسلمين بتقوى الله – عز وجل – والعمل على طاعته واجتناب نواهيه.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: إن الله تعالى أكرم الإنسان بنعم عظيمة وآلاء عميمة، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، ووهبه على سبيل الامتنان بيانا يمتاز به عن غيره، ويبين به مراده ويحقق غايته ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان )، وما كان لمثل هذا البيان أن ينبثق من فؤاد الإنسان لولا أن جعل الله له لسانا يحرك به الحروف، وشفتين يتقن بهما مخارجها ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين )، إنه اللسان، جسم لحمي بين فكي الإنسان، يظهر للملأ ما قد زوره في نفسه من كلام، وتطلعهم على حجم ما يملكه من عقل بقدر ما يملكه من بيان .

وأضاف قائلاً : إن اللسان رشاء القلب وبريده الناطق ، وبه يختار المرء مصيره إما إلى هلاك وإما إلى نجاة، كيف لا والمصطفى (صلى الله عليه وسلم) هو من قال: “وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”. رواه أحمد والترمذي، اللسان سلاح ذو حدين، من أحسن استعماله نال به ما يحمد، ومن أساء استعماله عاد عليه بالحسرة والوبال.

وأوضح الدكتور الشريم أن كثيراً من النزاعات والحروب لم تكن لتطفو إلا بسبب اللسان وعثراته، فإذا كانت النيران تذكى بالعيدان فإن الحروب مبدأها كلام، وما وقع خلاف ولا تباغض ولا تدابر إلا وللسان منه نصيب بمجافاته ما هو أحسن، وبينونته عن القول السديد ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن, إن الشيطان ينزغ بينهم )، فإن نزغ الشيطان لن يجد محلا له بين الناس إلا إذا فقد اللسان حسنه وقدم ما يشين على ما يزين، وإن تحقق التقوى بأفئدتهم وصلاح أعمالهم لا يتم إلا إذا حكم ألسنتهم القول السديد.

وبين فضيلته أن دين المرء وعقله يوجبان عليه استشعار عظم شأن لسانه وما له من تبعات وما عليه منها، فإن عثرة اللسان أشد خطرا على صاحبه من عثرة برجله، مؤكداً أن مكمن خطورته يبدو في استصغار حجمه أمام بقية أعضاء جسده، فكم من أرواح أزهقت بسببه، وكم من أعراض قذفت من خلاله، وكم من حق قلب باطلا وباطل قلب حقا، كل ذلكم بسبب إعمال اللسان فيما لا يجوز، أو إحجامه عما ينبغي، في حين أن أخطاره وأضراره أسرع في المضي من نفعه، لأن بعض الأفهام تعبث بالأسماع فلا تعرف لإحسان الظن طريقا، ولا للمحمل الحسن سبيلا، فإن الكلمة إذا خرجت من لسان المرء لم تعد ملكا له بل تصبح كالكرة تتقاذفها مضارب اللاعبين بها كل يفسرها بما يخدم غاياته ومآربه.

وقال الشيخ الشريم إن الناس مع ألسنتهم ثلاثة أصناف: حكيم، ونزق وجاهل، فالحكيم يقوده عقل حاضر ودين زاجر، يعرف مواضع الإكرام باللسان ومواضع الإهانة به، يعلم الكلام الذي به يندم والذي به يفرح، وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قال ، فمثله يعلم أنه إذا تكلم بالكلمة ملكته ، وإن لم يتكلم بها ملكها، وربما صار حكيما بالنطق تارة وبالصمت تارات أخرى، مع إدراكه بأن يقول الناس ليته تكلم خير من أن يقولوا ليته سكت، وأما النزق فإنما يقوده طيش ثائر، وصلف عاثر، وضيق عطن مستحكم، فلا معنى للأناة عنده، وليس لديه حدود ولا خطوط حمراء في الألفاظ فهو يغرف منها ما يشاء ويطلق حبلها على الغارب بلا زمام ولا خطام، دون استحضار لدلالتها وما تكون به مآلاتها، حيث تختلط عنده ألفاظ السباب وألفاظ المديح ، وألفاظ الألفة وألفاظ النفرة، إذ لا معيار لها عنده يحكمها، وإنما يدبرها غضبه ويوجهها نزقه، ويهيجها ضيق عطنه، فلا يفيق إلا وقد طارت بكلامه الركبان ولات حين ندم واعتذار، وأمثاله يصدق فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا”.

وأبان فضيلته أن الجهل رأس كل بلية، فمن جهل عظم شأن اللسان جهل ما سيتلفظ به، فلم يدر ما خيره وما شره، والجهل داء يزري بعقل صاحبه فكيف بلسانه، ومثل ذلكم لا يعلم متى ينطق ومتى يسكت، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وتلك معرة نعوذ بالله من غوائلها، كيف لا وقد وعظ الله نوحا بقوله (فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين)، مشيراً إلى أن كثرة الكلام ليس هو علامة العلم، فقد يكون الصمت علما تارة كما يكون الكلام علما تارات، وقد كان صمت بعض علماء السلف مزاحما كلامهم، وربما كان للصمت صوتا معنويا أعلى من صوت الكلام الحسي، إذ ليس شرطا أن يكون الصمت جهلا بالشيء ،بل إنه يعني بداهة أنه ليس ثمة ما يستحق الكلام، وقال: إن من أحسن صمته أحسن كلامه، فيصبح صمته حكمة ومنطقه حكمة، تتعلم من صمته كما تتعلم من كلامه، هذا وأمثاله لآلئ يقل وجودها في بيئات مليئة بالثرثرة والصراخ.

ولفت الدكتور الشريم الى أمرين أولهما إطلاق المرء لسانه في كل شيء تكلف ممقوت، ولبوس مكروه، فمن أقبح ما ينطق به اللسان ما خرج منه على سبيل التعالي والتكلف والغرور، والأمر الآخر أن نزول صاحب اللسان ميدانا غير ميدانه وخوضه فنا غير فنه عورة مكشوفة، ومحل لتندر الناس به .

وأكد فضيلته أن من المسلمات بداهة احترام التخصص، فلا يهيم المرء في كل واد، بل ينبغي له ألا يقول إلا ما يحسنه، فإن أقواما تحدثوا فيما لا يحسنون فأوقعهم حديثهم فيما لا يرجون، فلسان الفقيه ليس كلسان الطبيب، ولسان السياسي ليس كلسان الواعظ، ولقد أحسن الحافظ ابن حجر حين قال :”ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب” .

كما أكد أن خطر الكلمة لا يكمن في مبناها، وإنما يكمن الخطر كل الخطر في معناها، فلكم أن تروا كم في كلمة أف من عقوق بالوالدين بالغ، وهي كلمة صغيرة لا تحمل إلا حرفين اثنين (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما).

وقال فضيلته: إن البلاء موكل بالمنطق فلينظر المرء ما ينطق به لسانه، فإن تغليب الفأل في الكلام والنأي به عن مراتع التجهم والتشاؤم والنظر إلى واقع الناس نظرة تشاؤم ويأس وانغلاق لا انفتاح معه، حيث قال: “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” رواه مسلم، وإن لسان المسلم ينبغي أن يكون كالمرآة لمجتمعه وبني ملته، فلا يسمعون منه إلا نصحا هادفاً، أو خبراً صادقا، أو ذكرا نافعا، بعيدا عن تتبع العورات، والفجور في الخصومات، والانتقائية المقيته، التي تظهر التضاد والتضارب والكيل بمكيالين، بل ينبغي له أن لا يطلق لسانه من زاوية ضيقة، فلا يسكت فيما ينبغي الحديث عنه من نفع وبر، ولا يطلق لسانه فيما ينبغي ستره أو السكوت عنه، ليكون خلقه الخطابي واقعيا لا خياليا، ومنطقيا لا افتراضيا، وفاضلا غير مناف للأخلاق، ونافعا غير مضاد للمصلحة العامة .

وأضاف قائلاً : إنه إذا ما تنازعت الألسن، وتشاحت الأفهام، ومارت ظنون الناس فغار بعضها على بعض فإن السلامة لا يعدلها شيء، فلو كانت السلامة في مثل هذه الصورة عشرة أجزاء فإن تسعة منها في السكوت، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: “أمسـك عليكَ لسانكَ وليَســعْـكَ بَـيـتـُـك وابـكِ على خطــيـئـتـكَ”.

متعلقات