صحيفة البيان 149 مشاهدة
لا إنكار في مسائل الاجتهاد

ليست مشكلتنا في غياب العلم وإنما في تغييبه ومخالفته بل والتناقض بين ما نقوله وما نفعله، ومن ذلك ما نراه في حياتنا اليومية حيث ينكر بعضنا على بعض في مسائل فقهية اجتهادية هي حق للمجتهد ولمقلده، ولا يجوز التحكم في قول فقهي ومصادرة الأقوال الأخرى، وتزداد المشكلة كماً وكيفاً حينما نجعل من القول المرجوح بنظرنا منكراً يجب إنكاره، وهذا فكر وسلوك لم يسبق في تاريخنا الفقهي.

ولذا تجد بأن الفقهاء إذا أوردوا المسألة لا يزعمون أن قولهم هو محل الاجماع وما سواه منكر يجب الاحتساب عليه، بل عبر أربعة عشر قرناً قدموا للأمة الإسلامية آلاف الكتب العلمية في الفقه وأحكامه ومذاهبه وأقواله وأدلته، واحترموا المخالف ولم يصادروا حقه، فضلاً عن أن يعتبروه منكراً.

وجمهور الفقهاء يقررون بأن المصيب واحد، ولكنه غير معين، ولذلك لا يتوجه الإنكار على المجتهدين، ولا على مقلديهم، وممن أكد على هذا المعنى الإمام البهوتي الحنبلي في شرح المنتهى (1/275) حيث قال: (ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، أي ليس لأحد أن ينكر على مجتهد، أو مقلد، فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولو قلنا: المصيب واحد، لعدم القطع بعينه)، ومما نص عليه أيضاً العلامة ابن ضويان في منار السبيل (1/125) حيث قال: (ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لعدم الدليل، ولو قلنا المصيب واحد)، ولذلك فإن الكثير من الفقهاء يفضلون ما قرره الإمام النسفي الحنفي بقوله: (إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع فيجب علينا أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنك لو قطعت القول لما صح قولنا: إن المجتهد يخطئ ويصيب)، وانظر في هذا الأشباه والنظائر للعلامة ابن نجيم (381).

ولذلك فإن من الخطأ التعصب والاحتساب على أتباع المذاهب الفقهية الأربعة فيما اختلفوا فيه من مسائل الاجتهاد، وقد قال العلامة السيوطي الرحيباني في مطالب أولي النهى (1/663): (ولا إنكار في مسائل الاجتهاد)، وقال ابن الجوزي في السر المصون: (رأيت جماعة من --- أكثر

متعلقات