صحيفة المرصد 28 مشاهدة
بالصور.. من هو محمد الطيب الأنصاري..الطيب التنبكتي؟

صحيفة المرصد : لا يغيب عن ذهن الدارسين والمحققين أنَّ للكتابة عن الإعلام والأعيان ضرورة، بل شروط ومتطلبات من الأولى والأجدر أن يتقيد بها من استلم زمام الترجمة وكتابة السير، ولا شك –حينذاك- أنَّ كل ما دَون أو يدَون في هذا المجال سوف يمر بمجهر النقد وعين الرقيب، ولا أدلّ على ذلك إلاَّ ما خطَّه وكتبه ودوَنه العلماء الأوائل من أفذاذ وعلماء العصور المتقدمة، الذين استلموا زمام كتب تراجم الأعيان والإعلام، الذين أشبعت كتاباتهم نقداً وتمحيصاً من طلابهم ومن خلفهم من علماء الأجيال اللاحقة، ولعلنا حين نكتب في تراجم هؤلاء الأفذاذ من رواد العلم والمعرفة، نقف على عدد كبير منهم بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث الحرمين الشريفين مهوى أفئدة أبناء أمة الإسلام وقبلة المسلمين، التي زخرت بعدد لا يحصى من مشايخ ورواد وعلماء الأمة، الذين كان من بينهم الشيخ والعلامة المدني محمد الطيب الأنصاري، الذي شرف عدد كبير من أقاليم ودول العالم الإسلامي بزياراته ومحاضراته، كما حظي طلبة العلم بالجلوس بين يديه والنهل من معين علمه الصافي، لم لا؟، ووفقا للتحقيق الذي اعده الزميل منصور العساف لصحيفة الرياض فإن الشيخ محمد الطيب الأنصاري هو ربيب مجالس العلم وأحد أبرز علماء المدينة النبوية في القرن الرابع عشر الهجري.

زخر المجتمع العلمي بطيبة الطيبة إبَّان القرن الهجري المنصرم بنخبة من العلماء الرواد الذين كان لهم ولطلابهم أيادٍ بيضاء على مجتمعنا وبلادنا، وذلك بفضل ما وهبهم الله من بضاعة العلم وصدق النية بالعمل، حتى لقد كان البعض منهم يجوب بلدان العالم الإسلامي حاملاً معه مصابيح العلم النقي الذي تلقاه من نخبة من علماء عصره ممَّن زخرت بهم زوايا وأروقة الحرم النبوي الشريف، كما تكفَّل بعضهم بخدمة قضايا الأمة، التي كانت معظم شعوبها –حينذاك- ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي، وقد كان لعلماء المدينة المنورة دور حيوي وهام في الذود عن حمى البلاد الإسلامية، كما كان لهم دور في تثقيف وتعريف شباب العالم الإسلامي بهموم أمتهم وسبل النهوض بها، وفعلاً كان مجتمع العلماء في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة مرجعاً لكافة علماء الأمة، ولا عجب حينها أن تجد العلماء الأفذاذ في شرق المعمورة وغربها تلاميذ عند هذا العالم المكي أو ذلك الشيخ المدني.

ويصف الدكتور عبدالله عسيلان لقاءات العلماء والأدباء في الجوامع والمجامع العلمية بالمدينة المنورة، فيقول: كانت تلك اللقاءات تعقد إمَّا في النهار، في بستان من بساتين المدينة وتسمى (قيلة)، أو الليل وتسمى (ليلة)، وأذا تعذر الخروج إلى البستان عقدت القيلة أو الليلة في بيت أحدهم بالتناوب، وغالباً ما يرافق القيلة وجبة غداء والليلة وجبة عشاء، ومن أشهر البساتين بستان (المصرع) أو (خيف السيد) ويملكه آل مدني, وبستان (الزهرة) لآل محروس، ويقعان إلى الشمال من المدينة لا سيَّما (الزهرة)، التي كانت تقع في منطقة (العيون) شمال جبل أحد"، ولا شك أنَّ هذه المجالس والمنتديات العلمية كانت مهوى ومقصد العديد من الأدباء وأساطين العلم في ذلك الزمان حتى من خارج الجزيرة العربية، من أولئك الذين كان لهم مشاركات وحضور فاعل وبارز.

ووصف الأديب محمد حسين زيدان المجتمع العلمي في مدينة رسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-، فقال: "إنَّ هؤلاء الذين كثر وجودهم في المسجد من العلماء منهم من الذين ولدوا من أعراق قديمة فيها، كالسيد أحمد البرزنجي وابنه السيد زكي البرزنجي، والشيخ إبراهيم البري وابنه عمر البري، والشيخ عمر كردي الكوراني حفيد صاحب السند العالي إبراهيم الكردي الكوراني، الذي اتصل به شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب أيام وجوده في المدينة المنورة، وقبل هؤلاء كان العلامة الجليل عبدالجليل براده وصديقه وصفيّه إبراهيم الأسكوبي، أمَّا الذين أصبحوا من أهل المدينة حقاً فأقاموا فيها يعمرون المسجد فأكثرهم من المغاربة -تونسيون وجزائريون ومراكشيون-، أمثال شيخ الشيوخ حمدان بن الونيس، الذي أخذ عنه الأمير شكيب أرسلان الكثير وأعجب به".

ينتسب الشيخ محمد الطيب إلى قبيلة الخزرج من الأزد من القبائل الكهلانية من قحطان، وهم وأبناء عمومتهم الأوس أنصار رسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-، الذين قال فيهم: "لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار"، وهو محمد الطيب بن إسحاق بن الزبير بن محمد الأنصاري الخزرجي المدني مالكي المذهب، سلفي العقيدة، يقال له (الطيب التنبكتي) نسبةً إلى المدينة التي ولد فيها وهي مدينة (تنبكتو) الزاخرة بالعلماء، وتقع على نهر النيجر المسمى نهر (الميز)، وهي بلدة بمنطقة المراقد ببلاد المغرب الأقصى، وتقع في أطراف الصحراء الإفريقية الكبرى، وكان مولده في العام (1296ه)، وهناك نشأ وتربى، ولمَّا بلغ الثامنة من عمره توفي والده، فكفله خاله الشيخ مبارك وجماعة من أقاربه، فحفظ القرآن الكريم على يد خاله الشيخ محمد بن أحمد، وتلقى العلم في حلقات التدريس على يد علماء بلده، وارتحل في طلب العلم إلى العديد من الأقاليم؛ فأخذ العلم من علمائها، ويقال أنَّه جمع بين التعلّم بالتلقي، والتعلّم بالقدوة من الأهل والمعارف، خاصةً والده وأخواله، لذا فقد اتصف بتنوع مشاربه ودراساته، كما اتصف بالذكاء والفطنة، حتى أنَّه كُلِّف بمهام القضاء في بعض الجهات رغم صغر سنه، حيث أهله علمه وحلمه ورجاحة عقله لذلك.

هاجر الشيخ محمد الطيب وبعض أقاربه إلى المدينة المنورة في العام (1323ه) بعد احتلال الفرنسيين للمناطق التي كان يسكنها، وكان من ضمن أولئك المهاجرين شيخه الشيخ محمود، وما لبث الشيخ الأنصاري بالمدينة إلاَّ وانتقل إلى مكة المكرمة متفرغاً للعبادة ومواصلة طلب العلم والاطلاع على ما تحتويه خزان (أم القرى) من كتب ومكتبات، وبعد أن نهل من مشارب العلوم الشرعية والمعارف المختلفة والتقى بعلماء مكة المكرمة، قرر -رحمه الله- العودة إلى المدينة المنورة، وكانت مدة إقامته بمكة لا تتجاوز العام الواحد، إلاَّ أنَّه -يرحمه الله- استفاد من هذه المدة الوجيزة بأن زار بيت الله الحرام أولاً وعكف على طلب العلم ثانياً، وبعودته إلى المدينة المنورة عزم -رحمه الله- على أن يحظى بمشاركة أقرانه في نشر العلم في حلقات المسجد النبوي الشريف، لاسيما أنَّه كان يعمل من خلال منهجه العلمي بقول المصطفى -عليه الصلاة والسلام-: "من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"، وعليه فقد بدأ يدرّس العلوم العربية، كالنحو والصرف وبعض العلوم الشرعية، كالفقه والتفسير، وأقبل عليه –حينها- طلبة العلم من كل حدب وصوب، فكان يواصل التدريس بعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب حتى آذان العشاء، ثمَّ يعود إلى المنزل بعد صلاة العشاء للمطالعة والمذاكرة مع بعض طلاب العلم الذين يرافقونه حتى بيته.

تتلمذ على يد الشيخ محمد الطيب عدد من الطلاب ممَّن أصبحوا فيما بعد من أبرز علماء النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، وما أن حل العام (1341ه) إلاَّ وعين الشيخ محمد الطيب رئيساً لمدرسي المسجد النبوي، فزاد عدد طلابه وقصده الكثير من طلبة العلم، ثمَّ التحق -يرحمه الله- بمدرسة العلوم الشرعية، وتولى رئاسة مدرسيها بناءً على طلب مؤسسها والمسؤول عنها السيد أحمد الفيض آبادي، وظل الشيخ بعدها عاكفاً على التأليف والتدوين ومنشغلاً بالتدريس ونشر العلم، حتى انشغل بما لديه من بضاعة العلم، لا سيّما أنَّه كان من العاملين به، ولذا فقد أعرض عن كثير من المناصب والمراتب العملية، وكان قد درس على يديه عدد كبير من طلاب العلم الذين اجتهدوا -كما اجتهد شيخهم- في نشر العلم والمعرفة، وقد برز عدد كبير منهم ممَّن توزعوا في جامعات المملكة ومؤسساتها العلمية والإعلامية، كالشيخ إسماعيل حفظي والشيخ عمر بري والسيد علي حافظ والسيد عثمان حافظ والسيد عبيد مدني والسيد أمين مدني والأستاذ عبدالقدوس الأنصاري، الذي كان الشيخ محمد الطيب خال والده، ورئيس رابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد بن علي الحركان وأبو حمزة ضياء الدين رجب ومحمد عبدالله صاحب كتاب "الباز المنقض على من قال بكروية الأرض"، إضافةً إلى ابنه البروفيسور عبدالرحمن الأنصاري المؤرخ وعالم الأثار المعروف، وغيرهم كثير.

يصف عبدالقدوس الأنصاري أستاذه ومعلمه محمد الطيب، بقوله: "إنَّه أحد زعماء الإصلاح"، ويقول عنه: "إنَّه كان علم بارع ومجدد في عالم الفكر، وهب نفسه وفكره للتعليم والإصلاح "، بل كان يعده مماثلاً للسيد رشيد رضا والشيخ المراغي في عصره.

ويقول عنه تلميذه الأستاذ الأديب محمد حسين زيدان: "كان الشيخ الطيب (يقصد الشيخ محمد الطيب الأنصاري) ثالث ثلاثة تزينت بهم مدرسة العلوم الشرعية، التي أسسها الشيخ أحمد الفيض أبادي، لقد كان هؤلاء الثلاثة كباراً في علمهم وتعاملهم وحنانهم على التلاميذ، والغريب أنَّ كلهم أفارقة، مغربيان هما: الشيخ محمد الأمين الليبي الزاهد التقي واسع المعرفة.. كأنَّه قد أنتزع من ذلك العصر.. عصر الموسوعيين، هو الأستاذ الذي أهدانا الصديق محمد عمر توفيق، والثاني هو الشيخ محمد بن عبدالقادر الكيلاني الخفي عن الكثير والبين كل الإبانة لدى من اختصه، لقد كان تونسياً صديقاً لعبدالعزيز الثعالبي، ومصرياً تلميذاً لمحمد عبده، وتركياً قاضياً في أزمير، ويونانياً رئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى في كريت، ومدنياً أستاذاً في دار العلوم الشرعية، أمَّا الثالث فهو الشيخ الطيب الأنصاري، وكان أكثر من هذين تلامذة وتأثيراً".

لم يكن الشيخ محمد الطيب يستنكف أن يتلقى المعلومة ممَّن هم أقل منه حضاً في العلم، بل كان يأخذ الحكمة والمعرفة من أيّ وعاء خرجت، فيعرضها لمجهر النقد الشرعي ويأخذ بها أو يدعها، ولا أدلّ على ذلك إلاَّ ما رواه تلميذه الأديب محمد حسين زيدان من قصص حدثت له مع شيخه، فقد قال في إحداها: "ومرة وجدت ابنه الصديق الدكتور عبدالرحمن الأنصاري في القماط وهو بجانبه، وقد كان وعكاً مصاباً ببعض الحساسية، فقلت للشيخ: لعلّها الوراثة، فقال الشيخ: (لا أؤمن بالوراثة)، قلت: بل تؤمن بها (تخيَّروا لنطفكم، فإنَّ العرق دساس)، ولعلّه عرق انتزعه، فقال -بكل السماحة والرجاحة-: أهذه هي الوراثة؟، قلت: نعم، قال: آمنت بالوراثة".

ترك الشيخ محمد إرثاً كبيراً من بحور العلم والمعرفة تمثلت في عدد من الكتب والمحاضرات والندوات، التي ألقاها ودوَّنها بعض طلبة العلم، ولا شك أنَّ الشيخ منذ أن جلس لطلابه، سواءً في الحرم النبوي أو في وظائفه التعليمية حرص كل الحرص ألاَّ يقف علمه على عدد من طلابه أو تلاميذه، ما دعاه إلى تدوين مناقشته لبعض المسائل والأحكام في عدة كتب، وكان من بينها كتابه "الدرة الثمينة في النحو"، التي وصفها الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري بأنَّها تتميز بجمال التعبير ووضوح الهدف وتحديد المراد، وقد ألفها لصغار طلابه في العام (1325ه) في المدينة المنورة ودرسهم إيَّاها، والذي نظم فيه شذور الذهب لابن هشام وكذلك كتابه "اللآلئ المكينة شرح الدرة الثمينة"، و"البراهين المواضحات في نظم كشف الشبهات" في مسائل التوحيد، وطُبع في مطبعة جريدة المدينة المنورة، وكتاب "تحبير التحرير في اختصار تفسير ابن جرير" في عدة مجلدات بدأ به أثناء تدريسه لتفسير ابن جرير في المسجد النبوي، والذي وصل فيه إلى سورة "قد سمع"، وكتاب "السراج الوهاج في اختصار صحيح مسلم بن الحجاج"، وكتاب "التحفة البكرية في نظم الشافية"، وهو كتاب في الصرف، أيّ شافية ابن الحاجب وسمّاها التحفة "البكرية" نسبة إلى تلميذه بالمسجد النبوي لاحقا الشيخ أبي بكر بن محمد السوقي.

يصف الباحث والمؤرخ المدني محمد عسيلان الشيخ محمد الطيب بأنَّه ظل يعمل على تأصيل الخلق الفاضل في الناشئة، وقال: "قيل عنه الكثير، وكيف كان يحيل الخلاف إلى الفهم الإسلامي، كان في منهجه التربوي يجعل من الطلاب أصحاب وعي مدرك لتاريخ آبائهم الحامل بالعطاء، وأنَّه لا ينبغي أن يغيب عن ذاكرتهم أنَّه يعتمد على التفكير لا على التلقين، وهو بهذا المنهج إنَّما يزرع في فكر الناشئة منهجية هامة من مناهج العلم, جاءت البحوث الميدانية والتربوية بعدها لتقررها لنا، وكان -يرحمه الله- ينظر إلى العلم برؤية واسعة نادرة في جيله، فهو يؤمن بالتخصصات الأخرى ويُشبّه المعرفة الإنسانية بشجرة لها جذع ضخم تسقي سائر الفروع بالماء.

ربما فات على بعض الدارسين لسيرة الشيخ محمد الطيب الأنصاري -يرحمه الله- أنَّه من أولئك الرواد الذين كان لهم حظوة في ديوان العرب، حيث كان ممَّن يشجع البارزين من تلامذته في ميدان الشعر الجيد، وكان سماعه لهم سماع المهتم المتفهم لأغراض الشعر، كما ذكر ذلك محمد عسيلان، الذي يقول: "أمَّا هو فإنَّني كما فهمت من الأديب الراحل الأستاذ عبد القدوس الأنصاري قوله أنَّ محمد الطيب العلم كان يقرض الشعر في شبابه، وبعد أن كبر وتقدم به السن تركه، لكنَّه في أطواره العمرية قدَّم نماذج شعرية في النظام العلمي الذي ساد تلك الفترة, أمَّا الشعر العاطفي والوجداني، فأعتقد أنَّ العلماء قد كان لهم موقف أخذوه من الشافعي الذي يقول:

ولولا الشعر بالعلماء يزري

لكنت اليوم أشعر من لبيد

توفي -يرحمه الله- صبيحة يوم الاثنين السابع من جمادى الآخرة عام (1362ه) في المدينة المنورة، التي رفض أن يغادرها حتى حين علاجه، ودفن في "البقيع" في عصر ذلك اليوم، وصُليَّ عليه صلاة الغائب في المسجد الحرام بمكة المكرمة، وفي الجامع الكبير بالرياض، رحمه الله رحمة واسعة على ما قدَّم في خدمة العلم وطلاب العلم في طيبة الطيبة.

تلقى الشيخ الأنصاري العلم في حلقات التدريس على يد علماء بلده

زار الشيخ أثناء إقامته القصيرة في مكة البيت الحرام وعكف على طلب العلم

حظيت لقاءات علماء وأدباء المدينة المنورة بحضور الأدباء وأساطين العلم

متعلقات