صحيفة تغطيات 46 مشاهدة

الكاتب / د . عبد الله بن عبد المحسن التركي

—————————————–

إن فقد الإنسان لوالدته مؤلم له أشدّ الألم ، لأثرها في حياته ، ومكانتها لديه ، وعلاقته بها في مختلف أحواله ، وعطفها وحنوها عليه .

ويصعب عليه أن يعبّر عن مشاعره نحوها مهما كان سنه .

في ذاكرته طفولته معها ، وفي وجدانه وتصرفاته توجيهاتها ونصحها له .

إن ألم فراقها عليه شديد ، وإنّا لفراق والدتنا الغالية لمحزونون ، و ( إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ) ونقول : ” اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها ”

” اللهم اغفر لوالدتنا ، وارفع درجتها في المهديين ، واخلفها في عقبها في الغابرين ، واغفر لنا ولها يا رب العالمين ، وافسح لها في قبرها ، ونوّر لها فيه ”

إن مما خفّف ألمنا مشاعر المعزّين ودعاؤهم لها بالمغفرة والرحمة ، سواء أكان حضورياً أم مهاتفة ، أم مكاتبة .

وللحديث عن المشاعر تجاه الوالدة ، وعن مشاعر المواسين لأولادها وأحفادها من الأمراء والعلماء والمثقفين والمسؤولين والأقارب والزملاء والأصدقاء ، من داخل المملكة وخارجها ، له وقت آخر .

إن أعظم ما خفّف مصاب الأسرة في الوالدة العزيزة ، أبنائها وبناتها وأحفادها وحفيداتها ، وأفراد الأسرة كلهم .

مواســـاة والد الجميع خادم الحرمين الشريفين الملك ســـلمان بن عبد العزيز آل ســـعود أيَّده الله بنصره ، وذلك عبر الهاتف مباشرةً ، ثم برقية عزاء مؤثّرة .

هاتفني قبل الصلاة عليها ودفنها بكلمات أعتزّ بها وأفراد أسرتي ، لا تغيب عن ذهني ، أسأل الله له طول العمر على طاعة الله وأن يجعله موفقاً أينما كان .

وبعد ذلك برقية تعزية لي وللأسرة ، خفّفت المصاب .

إن نعمة الله علينا في هذه المملكة المباركة عظيمة ، نحمده ونشكره عليها ، نعمة عظيمة لا نظير لها في عالم اليوم .

القادة ينظرون إلى شعبهم نظرةً إنسانية ، منطلقة من توجيهات ديننا الحنيف ، ومن تواضع سيد البشر ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في تعامله مع صحبه الكرام ، كباراً وصغارا .

إن ملوك المملكة وأمراءها لا يتعاملون مع شعبها تعاملاً فوقياً ، وبخاصة عند المصائب ، ولكنهم يتعاملون بعطف ورحمة وإنسانية .

هل نجد في الدول والمجتمعات الأخرى ملكاً أو رئيساً يتصل مباشرةً بأهالي المتوفى ، وهم من عامة الشعب للتعزية في مصابهم ؟

إن الملك سلمان – حفظه الله – في تعامله إنسان قبل أن يكون أميراً وملكاً ، يعرف ذلك حق المعرفة أبناء المملكة وغيرهم ممن تعامل معه .

مواقفه مشهورة منذ توليه إمارة الرياض قبل نصف قرن ، أعرف ذلك كما يعرفه غيره .

لقد عشت في مدينة الرياض ، العاصمة المباركة ، وقت إمارة الملك سلمان لها ، وكنت قريباً منه ومعه في أثناء الدراسة والعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ، في مناسبات تخرج الطلاب ، وافتتاح المؤتمرات ، واستقبال الوفود ، وسعدت بالمشاركة في لجان عديدة يرأسها ، واستفدت كثيراً من قدراته وتجاربه وإنسانيته .

لقد نهض بعاصمتنا المباركة ، حتى أصبحت من أكبر عواصم العالم ، بفضل الله وتوفيقه ، وبصماته واضحة في كل مرفق من مرافقها .

بشارك المصابين في الصلاة على موتاهم ، وييسّر للمرضى سبل العلاج ، ويزورهم في المنازل والمستشفيات ، ويقوم بأعمال يبتغي بها وجه الله لا يعلمها إلا هو سبحانه .

لا أنسى زيارة الملك سلمان لوالدي رحمه الله حينما كان في المستشفى ، وكلماته الرقيقة ، وفي الذاكرة زيارته لي في أحد المستشفيات وأنا لم أصح من غيبوبة البنج ، ليطمئن عليَّ ، وقد كنت وقتها حريصاً ألا يعلم أحد بذلك .

وفي الذاكرة موقف إنساني نادر حينما كلمته في غير وقت العمل عن الحادث الذي أصاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان رحمه الله وتوجيهه للمستشفى باستقباله ، والمفاجأة وصوله – حفظه الله – للاطمئنان عليه فور دخوله الطوارئ .

وأجزم أن هذه المواقف وهذه الإنسانية لقائدنا المفدّى في ذاكرة أبناء شعبه ، سواء في المملكة أو في خارجها .

والذي يهمني هنا التأكيد على هذه الخصوصية في المملكة وتعامل قادتها مع شعبها .

إنها خصوصية نعتزّ بها ، وأساسها ومنطلقها الإسلام وقيمه ، والعرب وأصالتهم ، فبلادنا – حفظها الله من كل سوء – البلاد الأصلية للعرب والمسلمين كافة .

ولم يشهد تاريخها بعد العصور المفضلة للمسلمين ، حكماً رشيداً وقادة مندمجين مع شعوبهم ، كما شهدته بعد قيام المملكة العربية السعودية ، أدام الله عزَّها وأمنها ورخاءها .

إن أسرة آل سعود ، منذ تاريخها العريق ، وتجديداً له من موحّد هذه البلاد الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أسرة عريقة أصيلة ، أنعم الله بحكمها على المملكة العربية السعودية ، وامتدّ خيرها وعطاؤها إلى العرب والمسلمين ، بل العالم أجمع .

وإن إمامنا وقائدنا الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ، المتابع لمسيرة هذه الأسرة المباركة ، ولتاريخ العرب والمسلمين ، وللقضايا والمشكلات المعاصرة يجدّد تاريخ هذه الأسرة المباركة ، ويضرب أروع الأمثلة في تلاحم الشعب بقيادته ، وفي حرصه على التواصل المثمر مع شعبه الوفي ، تواصلاً إنسانياً ، يعجز الإنسان عن التعبير عنه .

إن تصرفات الملك سلمان ومواقفه ، انطلقت ونمت من الأخلاق السامية التي تلقاها من أبيه وورثها من سيرته الطيبة ، تنساب على السجية السمحة لا تكلف فيها .

وأجزم أن روح الإنسانية والوفاء والعطف منه – حفظه الله – تجاه أبنائه ، سواء أكانوا من ذوي الشأن والمكانة ، أم من عامة الناس وبسطائهم ، يندر في عصرنا الحاضر أن يوجد في قيادات الدول الإسلامية ، من يتحلى بها :

أولئك قومي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

والحديث عن هذا الجانب في سيرة الملك سلمان ، من الصعب الإحاطة بشواهده من الوقائع والحالات .

وغاية ما يقال في ذلك أنه مدرسة في الإنسانية والوفاء في اهتمامه بالمرضى ومساعدته لهم وتهيئة الفرص لعلاجهم ، وعيادته للكثير منهم في المستشفيات ، بل وفي منازلهم أحياناً ، ويندر أن تُلفي شخصية كبيرة مثله في مكانتها ومسؤولياتها ، تفعل مثل ما يفعل :

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

لقد أكرم الله المملكة العربية السعودية وأهلها بتولية أمرها الملك سلمان بن عبد العزيز ، الذي متّعه الله بصفات كريمة ومزايا كثيرة ، حيث حفلت سيرته بجوانب لافتة في مختلف المجالات الإنسانية والإدارية والثقافية . وتكاملت فيه خصائص القيادة والريادة ، حيث يُعدّ من القادة القلائل الذين تمرّسوا في مختلف فنون القيادة التي تستلهم من موروث هذه الأمة وتراثها ، مع مزايا وصفات خاصة كشفت عن قدراته الفذّة في إدارة شؤون البلاد .

إن الصفات التي اتصف بها حكام المملكة ، وتعاملهم مع شعبهم هي السبب الأساس في نجاح المملكة وتقدمها وأمنها واستقرارها .

لقد كانت المملكة العربية السعودية تجربة فريدة في العالم الإسلامي المعاصر في أمنها وأمانها ووحدة كلمة أبنائها والتفافهم حول قادتهم .

لقد انطلقت المملكة انطلاقاً سديداً موفقاً ، منحها قوة ذاتية من أول يوم .

فهي دولة أسست على المنهاج الإسلامي ، واستمدّت من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نظاماً الأساسي في الحكم وإدارة شؤون المجتمع ومؤسساته ، وذلك ما كانت تأمله الشعوب الإسلامية من دولها ، لكنها ابتعدت مع الأسف عن العمل بالإسلام عملاً يتوافق مع رسالته وأهدافه في تحقيق العبودية لله في الناس ، والخضوع لأحكامه والسير على المنهاج الذي سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والابتعاد عن سبيل الله ومنهاجه القويم ، الذي أسهم في الجهل بالإسلام وأدّى إلى الوقوع تحت هيمنة ثقافية أجنبية ، كان تحدّياً صـــــعباً أمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل ســـــعود – رحمه الله – في مسيرته نحو توحيد شعب المملكة تحت راية واحدة راية التوحيد .

لكن تمسّكه الوثيق بدنية وصلته العميقة بتراث أمنه وتاريخها ، وبخاصة تاريخ آبائه وأجداده المرتبط ارتباطاً تعاونياً بدعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – الإصلاحية التي سطع نجمها في نجد في أواسط القرن الثاني عشر الهجري ، جعل منه رجلاً بطلاً فذّاً شديد الشكيمة ماضي العزيمة لا يلويه عن مراده شيء .

لقد انطلقت المسيرة المباركة للملكة العربية السعودية ، بقيادة الملك عبدا لعزيز رحمه الله ومؤازرة رجاله الكرام البواسل ، على تلك الأسس التي أثبتت الأيام أهميتها ونجاحها في إرساء دعائم المملكة ، ونموها نمواً رائداً مطرداً في مختلف المجالات ، وصيّرتها بذلك نموذجاً للدولة المعاصرة التي تلائم الشعوب المسلمة ، وأن مراعاة تلك الأسس هي التي تحقق تآلفهم وائتلافهم على ولاة أمورهم ، وإخلاصهم في حبهم لأوطانهم ، وحرصهم على خدمتها وحراستها من كل ما تراد به من سوء .

إن النجاح الذي أحرزته المملكة مرتبط ارتباطاً سببياً بسير الرجال الذين تحقق على أيديهم مما هو جلي اليوم في الملك سلمان – حفظه الله – وما تميزت به شخصيته من الشّيم النبيلة والأخلاق الجميلة التي أبرزت الجانب الإنساني بوضوح في مواقفه وتعامله مع شعبه مما جعل له مكانة وحباً عميقين في قلوب أبناء المملكة ، وولاء له واعتزازاً به ، وتلاحماً لشعبه تحت قيادته في خدمة الدين والوطن .

وذلك مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم :

” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ” .

إضافة إلى ما حباه الله به من الخصائص القيادية الفذّة التي تظهر في القرارات الحكيمة ، والتصرفات الرزينة ، والمواقف الشجاعة ، وإبداء الاقتدار في الأضطلاع بالمسؤوليات الكبيرة والأعباء الصعبة التي تتناسب مع مكانه المملكة ووزنها العربي والإسلامي والعالمي ، وموقعها الاستراتيجي في العالم الإسلامي .

إن الحديث في هذا الجانب يطول ، وقد يسّر الله لي إصدار كتابين عن الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود ، وصفاته التي جعلته أمة في رجل ، وأثرها في أبنائه الكرام ، ومنهجه العادل الذي وحّد عليه المملكة ، وسار عليه في حكمها .

والذي دعا إلى هذا الحديث الموقف الإنساني الفذّ لوالد الجميع الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في تعزيتي وأسرتي في والدتنا الغالية .

كان المعزّون من الأمراء والعلماء والوزراء والمثقفين وأساتذة الجامعات ، من داخل المملكة وخارجها أعداداً وفيرة .

أشكر لهم وأسرتي مشاعرهم وأقدرها لهم .

ومن الأمراء الذين هاتفوني وواسوني في المصاب أصحاب السمو الملكي الأمير بندر بن عبد العزيز آل سعود ، والأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود ، والأمير منصور بن متعب بن عبد العزيز آل سعود ، وأصحاب السمو الأمراء سعود بن سلمان بن محمد ، وبندر بن سلمان ابن محمد ، ومنصور بن خالد بن عبد الله آل سعود ، سفير المملكة في أسبانيا .

ومن الأمراء الذين تفضلوا وشاركوني وأسرتي في التعزية والمواساة في منزلي أصحاب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز ، أمير منطقة الرياض ، والأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز ، والأمير فيصل بن أحمد بن عبد العزيز .

وأصحاب السمو الأمير بندر بن محمد بن عبد الرحمن ، والأمير محمد بن سلمان بن محمد ، والأمير عبد الرحمن بن عبد الله بن فيصل ، محافظ محافظة المجمعة .

وكثير من العلماء والوزراء والوجهاء ، في مقدمتهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن محمد آل الشيخ ، المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء ، ومعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ ، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .

أسأل الله أن يثيب الجميع ، ويعظم لهم الأجر .

إن مواساتنا ممن نعرف ومن لا نعرف من داخل المملكة وخارجها ، سمة لمجتمع المملكة العربية السعودية ، في تضامنه وتعاطفه ، ووحدة كلمته تحت قيادته الكريمة ، بعيداً عن التفرق والتحزب وتعدد الانتماءات ، التي بليت بها كثير من المجتمعات العربية والإسلامية ، فأثّرت على وحدة كلمتها واستقرارها .

ومن أوجب الواجبات علينا في هذه المملكة شكر نعمة الله علينا بذلك ، والتمسّك بالمنهج الذي قامت عليه مملكتنا ، وسيرنا مع قادتنا عليه ، وتعميق ولائنا لربنا ثم لوطننا وولاة أمرنا .

نسأل الله المزيد من فضله ، وأن يبعدنا ومملكتنا الغالية عن الفتن والنزاع ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ويجمع كلمتنا على المنهاج الحق ، وأن يحفظ لنا قائدنا الملك سلمان بن عبد العزيز ، وأن ينصر به دينه ، ويعلي كلمته ، ويوفقه وأعوانه إلى كل خير ، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وسلم .

متعلقات