صحيفة سبق 24 مشاهدة

سألني مرة خارج البلاد شخص من عامة الناس: هل أنت وهابي؟ لم أتردد بالإجابة بمثل ترددي كيف أوضح له اللبس في مفهوم الوهابية المشوه في ذهنه، الذي يمثل شريحة كبيرة جداً من عوام العرب المسلمين بل الغربيين تجاه ذلك الحكم.

في الفكر الإسلامي والغربي يكثر مصطلح الوهابية على ألسن كثير من الكتّاب والمفكرين بين مَن ينعت ذلك بتهمة على التشدد والتمسك بالإسلام، وتهمة تتصل بالإرهاب ونبذ الآخر.. والحقيقة أن مصطلح الوهابية يقصد به منهج دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي جدد التوحيد في قلوب المسلمين، ودعا إليه، ولم يزد أو يبتدع فيه شيئاً، ولأنه أيضاً ليس إلا الدعوة الصافية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، وهو الإسلام كما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - خالصاً لله ملغياً كل واسطة بين الله والناس؛ إذ تكوّن ذلك الفكر العقدي من بيئة محلية، لا يمكن أن يقاس عليها بيئات أخرى، ومن ثقافة فكر إسلامي، فيه شيء من الرجوع للخلف.

وتلك الصورة المشوهة بين من يدس عليها الشبهة والأكاذيب، وجاهل، ومريض لم ينقّ التوحيد في قلبه.. ذلك أنهم يرون الإسلام ناقصاً، وأنه أوسع مما جاء به القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضيفوا من اجتهاداتهم التي تمتد إلى المسلَّمات في الدين، كالعقائد والتشريعات التعبدية، التي يجب أن يتعبد بها المسلم كما فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

انظر مثلاً إلى من تعلقت قلوبهم بغير الله بالغلو في الأنبياء والصالحين، وتوجيه الدعاء لهم والقبور، وتمسكوا بالخرافات والبدع والأقوال الموضوعة والمختلقة على بعض الصحابة أو بعض التابعين، أو حتى تعلقهم ببعض الأحياء، وهو المنهج الذي كان مجدِّد الدعوة يحاربه، ويدعو إلى تركه. وهنا يكمن السب والشتم والاتهام بالتشدد إبعاداً للمسلمين عن دينهم الحقيقي.

ولما أراد الله تعالى لدينه العلو والنصر جعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يجدِّد عقيدة الإسلام في العصر الحديث من إطار التجديد الفردي والفكري إلى إطار الدعوة إليه التي قيّض الله تعالى لها دولة تحميها، وتدعو لها بوسطية واعتدال وعلم صحيح.

هنا يكمن الأمر الذي جعل لدعوته من التأثير والاستمرارية والتمدد والرسوخ ما لم تحظَ بها دعوات تجديدية أخرى، والانتشار الذي ليس لغيرها..

وبقدر البُعد عن أصل تلك الدعوة يكون التشويه والدس وسوء الفهم.

وبما أن مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفقهية حنبلية في غالب آرائها وموافقتها لما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبما توصل به اجتهاد ما يبنى على اجتهاد الفقهاء، كان اختيار الشيخ في إطار المذهب الحنبلي، واستدعاء نصوص ومقولات أعلامه، خاصة الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهما. وهنا يمكن الاختلاف السائغ بين أرباب المذاهب الفقهية فيما يرونه من الدليل وفي العبادات، وليس العقائد المتفق عليها.

فلا مسوغ أن تنعت دولة التوحيد السعودية بالتشدد أو التكفير أو فَهم الإسلام بضيق ومحدودية وانحسار. فالسعودية الآن تمثل المنهج الوسطي بين دول العالم الإسلامي، خاصة سياسة وديناً وعلماً ومنهجاً. ومن هنا كان لعلمائها منهج علمي معتدل في تدريس الدين وفتاواه، وإن حصل فهم مغلوط لبعض الأقوال فإنه يرجع إلى تنزل الفتوى على حادثة مكان ليس لغيره.

وقد تباركت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب مع الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، الذي أيدها، ونصرها، ونشرها، ودافع عنها.. حتى اتسعت دولته، وامتدت إلى ثلاثة قرون؛ إذ خرجت من قرية الدرعية، وملكت وحكمت أغلب شبه الجزيرة العربية.

ولعلي هنا أسوق بعض الأقوال من مفكرين وعلماء وفلاسفة عن تلك الحركة الإصلاحية تذكيراً بمكانتها، وإبراءً لها من التهم والتضليل الحاصل اليوم عند بعض الكتّاب العرب والغربيين والإعلام..

يقول شكيب أرسلان - رحمه الله - في مقالات للمستقبل: "إن منزع النجديين في الدين منزع إصلاح وترقية وتنقية مشرب، بعيداً بالمرة عن الخرافات والأوهام. وهذا المشرب مستحب جداً في العصر الحالي. وإذا سألت الأوروبيين قالوا لك إن هذا المشرب هو الذي فك قيود الأفكار، وحل عُقُل العقول، وكان فاتحة عهد الارتقاء في الغرب".

ويقول محمد جلال كشك: "وهكذا نرى أننا نظلم الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ونظلم دعوته، بل نظلم السلفية والسلفيين عندما نتحدث عنهم بالمفهوم السوقي الشائع، بينما فلسفته وتاريخه وما ترتب على دعوته تؤكد أنها كانت ثورة على الواقع، دعوة للرفض، دعوة لتحرير الإنسان المسلم، لتحرير الفكر الإسلامي، وإسقاط الكهنوتية عن كل الفكر البشري في عصره.. دعوة للتحرر من التخلف الذي أخفى جوهر الدعوة الإسلامية.. فالثورة تبدأ بالاعتزاز بالتراث، وجعله قاعدة البناء الحضاري المطلوب، لا هدمه، ولا النوم تحت أنقاضه".

ونجد كثيراً من الغربيين المنصفين الموضوعيين وصفوا دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - بالنقاء والصفاء والرجوع لأصل الإسلام.. وكما يقال: (ومليحة شهدت لها ضَرَّاتُها *** والفضل ما شهدت به الأعداءُ).

خذ مثلاً بدائرة المعارف البريطانية، التي عرفت دعوة الشيخ بأنها: "الحركة الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام. والوهابيون يتبعون تعاليهم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها. وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح".

ونجد المستشرق الغربي جولد تسيهر يقول: "الوهابيون أنصار للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي محمد وأصحابه. فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان". وقال المستشرق الإسباني أرمانو: "إن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق؛ فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة محمد - صلى الله عليه وسلم –". ويقول جون لويس بوركهارت، الذي تعلم العربية ورحل بين ديار العرب: "وما الوهابية -إن شئنا أن نصفها- إلا الإسلام في طهارته الأولى". وقال: "لكي نصف الدين الوهابي فإن ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية؛ لذا فإن علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أي هرطقة - أي بدعة أو خروجاً عن الدين - في الوهابية".

كما نجد أيضاً المفكر برنارد لويس يقول: "باسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات باعتبارها بدعاً خرافية ردة عن الإسلام الصحيح". وترى الباحثة "ناتانا دي لونج باس" أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب يحتل مكانة سامقة بين أعلام القرن الثامن عشر الميلادي من حيث رؤيته الفكرية والدينية الواسعة، واحتل كذلك مكانة في القرون التالية (التاسع عشر والعشرين والواحد والعشرين) من حيث أثره الكبير على النشاط الديني والفكري السائد، ومن حيث أثره على عدد كبير من علماء ومفكري تلك القرون. وكان الشيخ محمد مجدداً ومصلحاً ومفكراً عظيماً، ولم يتوانَ لحظة في طريق الاجتهاد الديني. لقد كان ثاقب الفكر تجاه علوم الدين الإسلامي، ولم يتوانَ في نقد الممارسات الدينية أو المذهبية، وكان منفتحاً على مدارس النقد الديني، وكان يعد التقليد الديني السائد في وقته حجر عثرة في سبيل تقدم المسلمين؛ لذا كان ينادي بالعودة إلى مصادر التشريع الأساسية: (القرآن الكريم والحديث الشريف)، عودة تتزامن بالوعي والفقه. وهو لم يكن منقطعاً عن أدبيات الفقه الإسلامية المتراكمة عبر العصور، لكنه أضاف إلى تلك المعرفة نظره الخاص واجتهاده الشخصي بالنظر إلى المجتمع الذي يعيش فيه، تاركاً ما عليه المجتمع من تقاليد بالية طالما أنها تتعارض مع المصدرَيْن السابقَيْن، حتى ولو قال بها علماء دين سابقون له. وتصف الباحثة الشيخ بأنه يرى الجهاد جهاد النفس، والجهاد فيما ينفع الناس. أما الحرب بمعناها التقليدي فهي حرب امتناع ودفاع؛ لذلك اتجه آخر حياته للردود العلمية المفحمة بالحجة والدليل، وهذا هو الجهاد الذي بذل فيه وقته وجهده. وهذا رد على من يتهم دعوة الشيخ بأنها دعوة حرب وتوسع وطمع.

وهناك من الأقوال الكثيرة ما لا يتسع المقام لذكرها هنا، غير أن من ينقل صورة الحركة الفكرية والعقدية عن الدعوة تجده ينقل نقلاً تلقائياً غير ممنهج بالتقارير العلمية، إنما نقولات رحالة وتجار ووفود رسمية ونحوها، التي لا تعطي نتائج صادقة في حقيقة ما تصف. وليست الوهابية كما يصورها أعداؤها أنها حركة تكفير أو سفك دماء أو أدلجة فكرية أو قائمة على الغلبة العسكرية، وأنها منهج لا يصلح للمدنية، بل إن تاريخ المجتمع النبوي مشهور ومعلوم في نقائه وتأسيسه الصافي حين أنشأ رسول الله - عليه الصلاة والسلام - مجتمعا مدنياً راقياً بلحمة واحدة مع المسلمين، وتعايش سلام مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم. وهكذا كانت الدعوة الإصلاحية.

ولأن الدولة السعودية –حماها الله – دولة قامت على الكتاب والسنة وتوحيد الله تاركة كل ما أُضيف على ذلك التشريع من أقوال وأفعال البشر، فإن ذلك ردٌ على كل من يتهمها بأنها دولة تشدد في ديانتها وعلاقاتها. وإنما أُخذ ذلك الوصف مأخذ الجدية بسبب عصف العلمانية في دول العالم، الذي أفرزه انحراف أديانهم، وأدى التمسك بتعاليمها المحرفة إلى ضلال واقتتال وشقاء يشهد به تاريخ أوروبا مثلاً في العصور الوسطى.

وبذلك يعلم أن كل ما جاء بعد عهد النبوة من زيادة التشريع غير صحيح، وأن الإسلام لا يمثله طائفة ولا فرد، وإنما هو شرع ومنهج حياة، فمن أخذه كما جاء بنقائه ووسطيته فهو على خير وصلاح، ومن زاغت به الأفهام والأفكار والسلوك فالإسلام منه براء.

وأتمنى تكثيف الإعلام الممنهج بالإسلام الصحيح في بيان حقيقة التوحيد وما قامت عليه بلادنا المباركة، وآثار ذلك التحكيم، والعمل على مزيد من اللقاءات وحلقات النقاش مع الغرب خاصة في بيان مصطلح الوهابية وما يتضمنه من صفاء ونقاء للإسلام، سواء من القنوات الإعلامية أو من المكتبات ودور النشر المهتمة بذلك، وعلى رأسها دارة الملك عبدالعزيز التي أنشأت وحدة تعنى بالدراسات الوهابية، وكذا التوصية والتوعية والتذكير بحمل قيم وأخلاق الإسلام، وممارسة ذلك بصدق وعفوية من السائحين والمسافرين لبلاد العالم؛ ما سيعطي بالتأكيد صورة غير مضللة.

متعلقات