صحيفة سبق 16 مشاهدة

هل تذكرون صباحات الأعياد تلك؟

حين كانت تشرق في النفوس أولاً، وتعانق رائحة البخور، والثوب الجديد، وخضاب الحناء في أيادي الأمهات الطيبات؟

حين كانت تستطعم الفرح لذاته، لأجل العيد فحسب، لأجل رمضانها الذي أتمته، والركن الذي قضته.

هل تفتقدون لذتها؟ هل يبكيكم غياب تفاصيلها، وتناقص ذاك الشعور اللذيذ فيكم؟

هل تتحسسون جيوبكم، وتبحثون عنها في قطعة حلوى أو طيات ريال جديد؟

أين خططكم ليلة العيد؟ وهل فتحتم حسابات جيوبكم، ترصدون كم سيُلقَى فيها؟

والبُنيات الصغيرات هل خضبن الأيادي، وأحكمت الأمهات رباط أكفهن المنثنية؟ بعد أن ألقين نظرات الاطمئنان على فستان العيد مرات ومرات.

كم مرة وعدتم أنفسكم بحلوى لذيذة مذاقها مختلف، فريد، لا يتكرر إلا في الأعياد؟

وأنتم تثنون أصابعكم الصغيرة تعددون الزائرين المحتملين، وتعدون بالتسامح والصفح البريء!

أرهفوا السمع لذاك الصوت المهيب يملأ البيت تكبيراً، ويحضن خيوط البخور ليعلق طيبها في شيباته! تتلقفه بكفها المشع احمراراً، ويتلألأ ثغر الزوجة الحنون.. أطلوا على تلك العيون المترقبة تتساءل وهي تقفز باندهاش: هل جاء العيد؟

تجسده في ضيف عزيز وقد أتم حضوره الكبير!

ما أجمل ذاك العيد!

كان بسيطاً، منتظراً حد اللهفة، مشوقاً في كل لحظاته ولياليه، عفوياً، لم يثقل بالمظاهر والشكليات والتنافس الغريب!

يهل بالفرح كحقيقة ماثلة في القلب والوجوه، تتلقفه بياض القلوب والأثواب باكراً، وتلوح له رؤوس لم يثقلها السهر! وتعلو الأيادي والألسنة بالتكبير وقد اصطف الجميع دون أن يتخلف أحد، وتمتد الأعياد في الطرقات ليكون الفرح مشتركاً وتعلو بهجته، وتصبح (عيدكم مبارك) سيدة الجُمل وهي تنطلق في فضاءات العناق الجميل!

ترونه في أثواب الصغيرات المنتفخة في احتفالية نادرة؟ وفي صغير ينتشي بهيأته وهو يصبح مثل أبيه، في طرقات الأبواب المشرعة لقادمين بلا ميعاد، يلقون تهنئتهم سريعاً، ويتسابقون للحاق التهاني المنتظرة!

كم كانت جميلة، مميزة، صباحات تلك الأعياد لذيذة، مختلفة، مليئة بكل جميل..

لكن!

دعك من كل شيء!

أي مظاهر لا تقلها ولا تصفها..

 إني أتحدث عن ذاك الفرح الغائب في القلوب

لماذا؟

مَن سرق هذا الفرح وقد صار العيد همًّا على البعض! همَّ السهر في صباحات العيد التي اعتاد أن ينامها ملء جفنيه؟! همَّ السلام والتهاني وزيارات الأقرباء التي لم تعد مجدولة.. همَّ التكلف والبذخ والمظاهر الزائفة في اللباس والتأنق، وأصناف الحلوى والطعام الذي لا يؤكل؟ ورسائل الهواتف الذكية الجاهزة الصامت منها والمتحرك..

وأين الأطفال في كل ذلك؟ وقد كانوا بهجة العيد وأساس الجمال فيه؟

وقد أصبح الجديد من اللباس متاحاً لهم طوال العام، واللعب في متناول أياديهم في معظم أيامهم وبلا مناسبات!

كيف نعيد فرحته الغائبة لهم ولنا؟

العيد الذي وُجد في كل الأمم والديانات، وجعلوا يتوارثون الفرح فيه، ويعدون له عدته، ويعيشونه كما كان في الماضي وأكثر، وقد أدخلوا عليه جديدهم!!

ونحن وقد امتزنا عنهم بعيدنا، الذي هو هبة الله تعالى لنا، ومكافأة على صيامنا، لكن تناقص فرحنا به!!

فليكن عيدنا مختلفاً هذه المرة، انسوا أبا الطيب وعيده الذي يتأسى عليه!

اجعلوا الفرح به ينبع من قلوبكم أولاً، ثم شكِّلوه كما تحبون، ومع من تحبون، بلا مبالغة أو تجاوزات، اهربوا من همومكم إليه، إلى الفرح فيه وبه، أيقظوا الطفل فيكم، وأعيروه لأطفالكم أيضاً، واصنعوا ألف ابتسامة للفرح به.

وعيدكم مبارك مقدَّماً.

متعلقات