صحيفة سبق 42 مشاهدة

ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع وبحرقة الخبر الذي نقلته لنا "سبق"، ومفاده "توفيت معلمة ظُهر أمس الأربعاء بعد إصابتها بصدمة عصبية داخل مبنى عمادة القبول والتسجيل بجامعة تبوك؛ وذلك على خلفية عدم قبول ابنتها المتفوقة بكلية الطب". ويضيف الخبر "وقال زوج المعلمة متحفظاً على ذكر اسمه لـ(سبق) إن ابنته حاصلة على نسبة 99.85 ٪ في الثانوية العامة، وتقدمت لجامعة تبوك لدخول كلية الطب، إلا أننا فوجئنا عقب ظهور النتائج بأنه تم قبولها في تخصص الحاسب الآلي، ولم تُقبل في الطب!".

طبعاً أتقدم بأحر التعازي لذوي الأم المتوفاة، تغمدها الله بواسع رحمته، وأسكنها فسيح جناته. ولن أخوض في ملابسات الوفاة؛ لأن الموضوع - وحسب الخبر - منظور من قِبل الجهات الأمنية، والتحقيق جارٍ للوقوف على حقيقة الأمر.

وتناولي لهذا الموضوع يأتي من باب الوقوف على الطريقة المتبعة لقبول الطلبة والطالبات في الجامعات بعد الثانوية، التي أصبحت كابوساً مؤرقاً للأسر وأبنائهم من الجنسين. ولن أكون مبالغاً إن قلت إنه أصبح من العوامل الطاردة للتعليم الجامعي؛ ففيما مضى كان الهم ينصب على اجتياز المرحلة الثانوية بأفضل نسبة ممكنة، وكان الجهد كله منصباً على التحصيل على مدار العام، والفهم التام للمناهج المقررة، وفجأة تحوَّل الوضع بعد دخول الامتحانات التي تسبق وتلي امتحان الثانوية العامة على اختلاف مسمياتها إلى صداع مزمن، وأصبح القلق هو العنوان الرئيس لكل بيت يحوي طالباً أو طالبة في المرحلة الثانوية، وأصبح القبول الجامعي حلم يقظة لكثير منهم.

وهذا فيه إجحاف لجهد الطالب أو الطالبة على مدار عام، بل إنه من الصعب أن يحدد للطالب المجال الذي يجب أن يدرس فيه؛ إذ إن رغبة الطالب في الالتحاق بفرع من فروع العلم بعد الثانوية هي العامل الحاسم في الإبداع الفكري وليس اجتيازه لاختبارات هي في المحصلة لا تعكس طموح أو جدية الطالب أو الطالبة؛ إذ إنها تعتمد على طريقة الإجابة بـ"صح أو خطأ"، وهنا قد يلعب الحظ دوراً كبيراً في الاختيار، ولكن الشيء الذي قد يغيب على كثير من الناس هو غياب الفائدة؛ إذ لا يتاح للطالب الفرصة للتفكير والاستفادة؛ فأمامك ثوان لاختيار الإجابة، ولا يخفى على أحد أن اتخاذ أي قرار في غضون ثوان معدودة لا يخلو من المجازفة؛ وبالتالي فإن نتيجة اختبارات القدرات والقياس لا تعكس حقيقة ذكاء أو فهم الطالب بقدر ما تشكل عقبة أمام طموحات الطالب أو الطالبة. ولا بد للقائمين على وزارة التعليم أن يقيموا وضع هذه الامتحانات بشكل سريع.

وإن كان لا بد من وضع البدائل المناسبة فعندي البديل الذي أرى أنه أنسب من كل الامتحانات التي لا تعكس حقيقة طموح الطالب. والبديل لدي هو أن تتاح للطالب أو الطالبة أن يسجِّل في الكلية التي يرى أنها تمثل طموحه، بحيث يلتحق بالسنة التحضيرية، وعلى ضوء نتائج السنة التحضيرية يوزع الطلبة على الكليات، كل حسبما يسمح به معدله. وإن رأى الطالب بعد إخفاقه أنه ما زال يحدوه الأمل بإكمال دراسته الجامعية فما عليه إلا إعادة السنة التحضيرية، ولكن هذه المرة برسوم مادية معقولة، ومن ثم الاجتياز أو الانسحاب إلى تخصص آخر، وبقناعة تصل إلى حد اليقين.

لقد خسرنا بسبب امتحان القدرات والقياس الكثير من الطلبة النجباء الذين قذفت بهم نتائج هذه الامتحانات إلى تخصصات لا تلبي طموحاتهم، بينما لو أُتيحت الفرصة لكل طامح أن يخوض التجربة عملياً لكان أجدى بكثير. وقد توقفت عند تعليق على الخبر من أحد القرَّاء، وقد ساءه أن تفقد الأم حياتها بسبب عدم قبول ابنتها؛ إذ علق بقوله: "كان بالإمكان الحصول على مقعد ابتعاث لابنتك بهذا المعدل المشرف". وهنا أتوقف مع هذا التعليق متعجباً؛ فهل وصلت جامعاتنا إلى هذا الحد والشهرة العالمية، بحيث تضع لها من الشروط ما قد يضطر الطالب أو الطالبة إلى أن يطرق أبواب الابتعاث كبديل للدراسة في الداخل؟! ونحن نعرف أن معظم هيئات التدريس في جامعاتنا هم ممن تخرجوا من جامعات ومعاهد أمريكا والغرب عموماً. بالطبع هذا أمر لا يمكن تصديقه، ولكن يمكن تفسيره بأن هناك خللاً في عملية القبول لدينا في الجامعات، وأن هناك خللاً في تقرير هذه الاختبارات على أبنائنا، فإن كانت لا تُطلب من قِبل الجامعات الأمريكية والأوروبية، وإن طُلب شيء مشابه فإن هناك من الإعداد والتجهيز ما يجعل منه أمراً متاحاً وسهلاً. فأذكر عندما درسنا في أمريكا، وأُلزمنا باجتياز اختبار اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، المعروف بـ"توفل"، وجدنا من المراجع والاختبارات المشابهة التي تحاكي الامتحان الحقيقي الشيء الكثير، لدرجة سهّلت علينا اجتياز الامتحان الحقيقي بكل يسر وسهولة، وهو ما لم أجده فيما هو متاح من مراجع أو اختبارات ودورات تُعقد هنا وهناك لشرح تلك الامتحانات المقررة على أبنائنا وبناتنا الطلبة، حيث الغموض، وبُعدها عن واقع الامتحان الحقيقي، فضلاً عن كونها تُعقد في أوقات صعبة، وتُحاط بسلسلة من الإجراءات؛ ما يجعل منها كابوساً، ويجلب اليأس للطالب؛ فالطالب هنا واقع بين مطرقة معدله في الثانوية العامة وسندان نتائج القياس والقدرات.. وإلا فلا حظ له في إكمال تعليمه الجامعي!

علينا أن نتذكر أن الرعيل الأول لم يعرفوا مثل هذه الامتحانات، ومع ذلك ها هم مبدعون في كل المجالات، بل إنهم هم من قادوا حركة التعليم حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من تطور؛ فلماذا نضع اليوم العراقيل أمام طموحات أبنائنا وبناتنا؟ لِمَ لا نعود إلى حاضنتَيْنا الحقيقيتَيْن (التحصيل والكتاب)؛ فهما الملاذ بعد توفيق الله لكل طامح بأن يصل إلى ما يصبو إليه. والله من وراء القصد.

متعلقات