صحيفة سبق 9 مشاهدة

قد يكون القلق من أكثر المواضيع التي تمّت دراستها والاهتمام بها، ولعل ما يبرّر ذلك هو أنه سمة مشتركة بين كثير من الناس، وهو سمة لا تقتصر على شخصية بعينها، وإنما قد يكون حالة مشتركة بين عديد من الشخصيات.

وبعيداً عن التصنيفات يُنظر للشخصية القلقة؛ على أنها تلك الشخصية التي تتبنى استجابة معرفية وربما سلوكية للحدث قبل اكتماله، كما أنها تفتقر للنظرة المتأنية وتميل لإغلاق المواضيع بأسلوبها المنفعل المتسرّع غالباً دون الدراية بأركان القضية وأبعادها.

إن التوقعات السلبية هي خطوة تالية للتفكير القلق الذي يتلوّن بطابع الخوف والحذر وتوقع المخاطر، والتوقعات السلبية ما هي إلا انعكاسٌ للرؤية القلقة التي يحتل التضخيم والتهويل وإعطاء الأمور أكبر من حقيقتها وتأثيرها وحجمها الطبيعي قائمة نظرتها للأمور.

كما تميل الشخصية القلقة بطبعها، إلى توقع الفشل وانتظار الحزن من مصادر قد لا تكون بالضرورة مسبّبة لذلك، إلا أن طابع الشخصية القلقة انتقائي في طريقة إدراكها الأمور؛ بمعنى أنها تركّز على تلك المفاهيم السلبية التي تعكس شدة حرصها المفرط الذي يُوصف بالحرص غير المنطقي والسلبي.

إن الشخصية القلقة - كغيرها من الشخصيات - مزيجٌ من التفكير والمشاعر والسلوك، ويظهر هذا المزيج كحالة أو كسمة تتسم بها ردود الأفعال المختلفة.

وينظر للقلق في عديد من الدراسات النفسية على أنه في بعض الأحيان محفّز للنجاح، إلا أن القلق "الحكيم" - من وجهة نظري - ليس بالضرورة أن يسبق الإنجاز، ولكن القلق "الحكيم" هو الذي يتم استثماره في توجيه الطاقة السلبية إلى محفزات ومعززات لضبط الانفعال وتوجيه السلوك.

إن الشخصية القلقة عملية بطبعها وتميل للعمل بجهد دون التفات للراحة أو المتعة، والتلذذ الذي تستشعره تلك الشخصية يأتي من درجة ما تحققه من تمكُّن، علماً بأن التمكُّن الذي تنجزه قد لا يسعدها، ذلك أنها لا تتقبّل النقص أو النقد وتتطلع أن تحقّق مستويات قد تفوق في التصور حدود البشر الطبيعية.

صاحب الشخصية القلقة ليس بالضرورة أن يكون مضطرباً نفسياً، إلا أن شخصيته تفتقد التواصل بفاعلية مع المواقف، نتيجة إدراكها التهديد بشكل متكرّر وربما مستمر في بعض الحالات.

إن الشخصية القلقة تحرص على التمسُّك بالمبادئ والقيم، ولكن بطريقة مزعجة بالنسبة لها؛ ما يجعلها لا تعتد سوى بما تراه مناسباً ومتماشياً مع القيم، ولكن بصرامة مقلقة لها وللآخرين.

الشخصية القلقلة تعاني في علاقاتها، على الرغم من أنها قد تتفانى في إيثار الآخرين على نفسها؛ إلا أنها تتحاشى الخوض في العلاقات الاجتماعية؛ خوفاً من الوقوع في الخطأ، كما أنها تخاف وتتجنّب النقد؛ ما يدفعها إلى الانعزال النسبي؛ تحسباً لأي أخطاء قد تضعها في موقع الرفض أو عدم التقبُّل.

وعلى الرغم من أن كل ذلك ما هو إلا أفكار وهمية تفتقد النضج إلا أن صاحب الشخصية القلقة يؤمن بها وينطلق في حياته وتفاعلاته من خلالها، وهي تشكل عائقاً كبيراً يزاحم توافقه المقبول مع الحياة.

إن استبصار الفرد سمات شخصيته يمنحه فرصة تفهم تلك السمات، كما يقوي في نفسه الرغبة في تحسين وتطوير سماته التي تمثله في المواقف المختلفة.

حالات القلق والاكتئاب قد يسهل السيطرة عليها أو التحكم فيها في أغلب المواقف، ولكن قد تقل تلك السيطرة أو تنعدم عندما تتمثل المشكلة في الطباع، فلا تكون الأزمة مجرد حالة عابرة.

والمشكلة التي قد تبدأ منها ومعها سمات الشخصية القلقة هي التفسير والتحليل العشوائي الذي يتبع مشاعر الخوف من المستقبل والخوف من الآخرين والرغبة في الكمال والمثالية التي تتصادم مع الواقع في زوايا وحالات كثيرة.

لقد أشار كثير من الدراسات إلى أن أساليب التربية التي تعظم معنى الخطأ وتسترسل في استخدام العقاب، تنمي في نفوس أبنائها الخوف والصلابة وعدم المرونة؛ ما يجعلها قاسية في إصدار الأحكام على نفسها وعلى الآخرين، ويجعلها متحفظة في ردود أفعالها وحذرة للدرجة التي تحدُّ من شعورها بالاسترخاء والراحة وتحقيق السعادة في الحياة.

متعلقات