صحيفة سبق 27 مشاهدة

تحدثتُ في المقال السابق عن "الشخصية القلقة.. سماتها وأسباب نشأتها"، وأحدِّثكم اليوم عن كيفية معالجة هذه السمات.

نتفق مبدئيًّا على أن علاج بعض سلبيات الشخصية يجب أن يكون عيادياً، وذلك عندما تكون السمة اضطراباً يعانيه الفرد ويؤثر بشكل مزعج على جوانب حياته ويصعب عليه التحكم فى أعراضه؛ مما يجعله يستهلك وقتاً وجهداً ربما لا نتائج مطمئنة منه.

ولعل علاج الشخصية القلقة عيادياً يأتي من خلال تحليل أفكارها ومشاعرها وربطها بردود أفعالها؛ حتى يتسنَّى للفرد استبصار أبعاد المشكلة ومسبباتها الحقيقية والواقعية، وهذا ما يعرف فى مجال العلاج النفسي بـ"العلاج المعرفي السلوكي"، الذي يشمل تصحيح المعتقدات من خلال جداول وبرامج وتجارب تساند الفرد فى استبدال وتعديل الأفكار السلبية وما يتزامن معها من مشاعر وسلوكيات غير صحية؛ ليصبح الفرد بعد فترة العلاج أكثر قدرة على إدارة أُسلوب تفكيره، وبالتالي التخفيف من حدة القلق والتوتر.

وقد يستخدم المعالج النفسي برنامج الاسترخاء؛ ذلك الأسلوب العلاجي الذي يساعد الفرد على التحكم في التوترات الجسدية للوصول لحالة من الصفاء الذهني والاستقرار الانفعالي، وبالتالي القدرة على اتخاذ قرارات أكثر إيجابية في حياته.

ليس كلُّ شخصٍ قلقٍ مضطرباً؛ ولذلك ففي استطاعة البعض التحكم في سماته القلقة من خلال ما يتم سرده في النقاط التالية:

* الشخص القلق اعتاد أن ينظر للأمور نظرة سوداوية متشائمة؛ ولذلك فهو يتوقع النتائج السلبية دوماً في حياته؛ مما يجعله يقدم على الأمور بتوجس وحذر؛ مما يحجب عنه رؤية إمكانياته في إدارة انفعالاته.

ويستطيع الفرد التحكم في ذلك من خلال استبصاره الذاتي بأن المشكلة تكمن في نظرته القاصرة فيتجنب الاسترسال مع تلك الأفكار ويمنع تأثيرها بعدم التجاوب معها

* الشخص القلق يضخم الأمور ويعطيها أكبر من حجمها؛ ولذا يستطيع الفرد أن يحلل المشكلة التي قبل الاندفاع خلفها بتوتر وخيفة؛ مما يمكنه من صياغة المشكلة صياغة جديدة موضوعية داخل حدود المنطق؛ مما يجعله يستشفّ قدراته المغيبة تحت سيطرة القلق.

* أزمة الشخص القلق أنه يرى قوته واستعداده ومهاراته أقل من حجم المشكلة، ولعل تحسين النظرة القاصرة للذات من خلال استحضار إيجابياتها والتركيز على جوانب التفوق والإبداع؛ تمكن الشخص القلق من رؤية ذاته بوضوح ضمن أطر مهاراتها، لا مساوئها؛ مما يجعله منطلقاً بثقة حين مواجهة الضغوط، لا متخاذلا مستضعفاً.

* أن التأمل ومنح العقل فرصة للتفكير فى أجواء باعثة للسعادة والرضا؛ هي استثمار لطاقة الفرد الذهنية، وهذه الفرصة يمكن أن يصنعها الفرد لنفسه عندما يؤمن بحقه في الراحة والاستجمام ويستحدث لذاته الأجواء التي تأنس بها وتحقق لها الارتياح على المستوى الجسدي والذهني والنفسي.

* لا شيء يمكن أن يحقق الراحة للفرد كالثقة التي تلتحف ذاته، ومن هنا تنبت بذور الأمان، والثقة مفهوم واسع يبدأ من ثقة الإنسان بأقدار الله، ومن ثم ثقة الإنسان بنفسه وثقته المنضبطة بمن حوله؛ ليجنب نفسه العراك المحتمل في الحياة على بعض الافتراضات الوهمية التي تشكلت من خلال أفكار آلية لا تمت للواقع بصلة.

هذه الثقة المطلقة والإيجابية التي تأتي من إيمان الفرد بحقوقه وإيمانه بقدرته على الدفاع عنها، وإيمانه بأنه عضو حيوي وكائن فعال؛ لا تستقيم حياته إلا باستقامة نظرته لذاته.

متعلقات