صحيفة سبق 34 مشاهدة

(طار الهواء).. تطوّر الخلاف بين الملك عبدالعزيز رحمه الله وإمام اليمن، بعد أن تمادى الجيش اليمني وتعدى على الأراضي السعودية حتى وصل وفد من أهالي نجران إلى الرياض وقابلوا الملك عبدالعزيز، وقالوا: جئنا من نجران يحدونا الأمل أن تعطينا مواثيق أجدادك، جئنا لتدرأ الخطر الذي لن يتوقف عند نجران؛ إن تركت إمام اليمن يفعل ما يحلو له.

وردّ عليهم الملك عبدالعزيز: "اسمعوا وأنا أخو نورة، مثلما أعطاكم أجدادي عُهودهم؛ فأنا باقٍ عليها؛ بل على استعداد لأن أكتبها لكم في مواثيق جديدة، عُودوا إلى نجران وناوشوا المعتدي، وستجدون القوات السعودية في كل ناحية"، وأصدر الملك عبدالعزيز أوامره وأسرعت القوات السعودية إلى الجنوب، وصار الصدام المسلح، وتراجع اليمنيون، واجتاحت القوات السعودية الأراضي اليمنية، وسيطرت على العديد من المدن؛ فاستولت على "ميدي"، ثم "الحديدة"، و"بيت الفقيه"، و"بلاد الزرانيق" ومدن أخرى، وجاءت برقية الإمام يحيى للملك عبدالعزيز نصها: "كفى يا عبدالعزيز، أمرنا بسحب جندنا عندكم عبدالله بن الوزير، تفضلوا -عافاكم الله- بطلبه لعقد معاهدة أخوية، سحبنا هذه البرقية عن طريق أسمرة؛ حيث تعطّلت (طار الهواء) لدينا.. ننتظر جوابكم بواسطة أسمرة".

وكان إمام اليمن يُسمي جهاز البرقية (طار الهواء)، ووافق الملك عبد العزيز، وتمت المفاوضات، وصارت معاهدة الطائف بين المملكة واليمن عام ١٣٥٣هـ، وانسحبت القوات السعودية من اليمن، يقول "الزركلي": لما سمع "فلبي" أن الملك عبدالعزيز قرر الانسحاب من المواقع التي احتلها ولداه "سعود" و"فيصل"، وقف يبكي على باب الصيوان؛ فدعاه الملك وسأله لِم تبكي؟ فقال: على جهود أضعتَها، وأموال بذلتَها، حتى صار اليمن في قبضة يدك ثم تتخلى عن ذلك؛ فقال الملك عبدالعزيز: "لا نريد اليمن، اليمن لحاكمه".

وكأن التاريخ يُعيد نفسه؛ فاليوم هَبَّت المملكة لمساعدة حاكم اليمن الشرعي.. هو التاريخ اقرؤه.. إنها ثلاثة وثمانون عاماً بين رحلة الدفاع عن الوطن بالأمس ورحلة اليوم، رحلة رجال الوطن بالأمس ورحلة رجاله اليوم، رحلة شقيق والدتي الخال محمد بن إبراهيم السيف لنجران تلك الفترة، ورحلة حفيده المقدم عبدالرحمن لنجران هذه السنة، وبين الرحلتين قصة بناء الوطن وتطوره.

أما الرحلة الأولى فيحدثني الخال عنها وقد طوته السنون يقول: عندما نادى المنادي في الرياض إلى الجنوب، لَبَّيتُ النداء وكنت مع القوات الشرقية بقيادة الملك سعود، وتوجّهنا إلى نجران، وأخي "عثمان" كان مع القوات الغربية في ركب الملك فيصل إلى جازان، يقول الخال: وعلى ظهور الإبل كانت الرحلة من الرياض إلى نجران وكانت رحلة عناء وتعب، مَسّنا العطش والجهد وصعوبة الطريق؛ لكن كانت نفوسنا قوية وعزيمتنا صلبة نذود عن الوطن، أكلنا الورق من الجوع، واصطدنا الغربان وأكلناها دفاعاً عن بلادنا، وتمكنا من التوغل في الأراضي اليمنية إلى أن جاءتنا الأوامر توقفوا، ثم كانت العودة منتصرين، ونحمد الله صار الأمن والأمان، وتوالى الخير، وبدَّل الله عسرنا يُسراً، وجوعنا شبعاً، وخوفنا أمناً وضيقنا رخاءً.. ووصيتي لكم أبنائي: كُونوا كما كُنا مع عبدالعزيز رحمه الله، لا تتهربوا ولا تتأخروا؛ فلا يحمي الوطن إلا رجاله، وانظر لإصابتي بقذيفة بقيت آثارها بجسدي شاهدةً على إقدامنا وتضحيتنا دون الوطن.

ومضت السنون ورحل الكبار رحمهم الله جميعاً، ودارت الأيام، وجاء الحوثيون ومن ورائهم إيران وقوى الشر، ينشدون خراب اليمن ويطردون حاكمه ويهددون مملكتنا الغالية ومقدساتها الشريفة؛ فهب الأحفاد يذودون عن الحمى ويقومون بالواجب؛ ولكن في حال أيسر وقوة أكثر وتطور أعمق وشتان بين الحالين، وودعنا الحفيد المقدم عبدالرحمن الضابط بالقوات المسلحة، وأخبرته بوصية جدّه، ودعونا له ولزملائه بالنصر والتوفيق، وهاتفناه فسمعنا منه الثبات والفخر والعزة والمهابة والإقدام والتضحية، بورك بهم وبقيادتهم.

هذا هو الوطن، يقوده بالأمس أكابر واليوم يقوده أبناء وأحفاد الأكابر، زعماء عظام توارثوا المجد، يأبون الضيم ويحمون الوطن، وينشدون العزة والمهابة حرسهم الله بعينه التي لا تنام.

متعلقات