صحيفة سبق 20 مشاهدة

((علمك بأنصاف الحقائق لا يعطيك الحق في صياغة النظريات وتعميمها ونشرها للناس بقصد تعليمهم وتوجيههم))

من الأزمات الحقيقية التي يعيشها المجتمع اليوم ادعاء العلم وتعميم المعارف البسيطة وتحويلها لقوانين وفرضها كمناهج وطرق للتفكير ومفاهيم ومبادئ لإدارة الحياة.

إن أنصاف الحقائق لا تقل خطورة عن الجهل، ولعل المتعالم هو جاهل يرى نفسه خارج محيطه الحقيقي؛ لذا فإنه عندما يتحدث بلغة العلم فإنه يتكلم بلغة فضفاضة لا تحتوي على أفكار موضوعية، وبالتالي فإنها تصبح لغة مرفوضة تفتقد  الصدق والتكامل.

ولعل الخلفية النفسية التي يمكن استخلاصها من وراء سمة التعالم إن تم تناولها كظاهرة اجتماعية ذات منشأ نفسي في بعض الحالات؛ هي تلك المرجعية الشخصية التي لا تخلو من بعض المشكلات والنواقص التي تتعلق بسمات الشخصية وفوضى الأهداف وافتقار التحديد الدقيق لمعنى الهوية الشخصية.

إن المتعالم، أو ذلك الذي يدعي المعرفة؛ إنما ينطلق من خلفية انفعالية مفادها هو إثبات الذات دون الاستناد على أسس واضحة ومعلومة، إنه يسعى لأن تكون له هوية من خلال جدال عميق تصنعه المعرفة الناقصة، وعلى الرغم من أن التعالم قد يكون عند البعض مجرد سلوك عفوي لا يعكس سوى سمات شخصية تتسم بعدم النضج وسوء التقييم للذات وقدراتها، إلا أنه قد يعكس في الكثير من الحالات شعوراً داخلياً عميقاً بضعف الثقة بالنفس واستشعار النقص في القدرات الشخصية.

ويعتبر ضعف الثقة بالنفس حالة يعيشها بعض الأفراد، وتعتبر سبباً للكثير من الصعوبات والمشكلات النفسية التي يحياها الفرد وتوجه سلوكه.

وينطلق المتعالم من خلفية ضعف الثقة بالنفس عندما يخفق في محاولة تحقيق ذاته، ولشعوره بعدم الأهلية والأحقية يندفع للبحث عن وسائل للفت الأنظار إليه بغية تحقيق مكانة بين الآخرين إرضاءً لذاته، محاولاً الدفاع عن حقوقه الشخصية المسلوبة بطرق وأساليب غير مباشرة حين يعجز عن الحصول عليها من مصادرها الحقيقية.

كما يتوارى الإخفاق في مهارات إدارة الذات خلف نفسية المتعالم؛ حيث يعجز عن النجاح في التقييم الحقيقي لذاته وبالتالي يصعب عليه توجيه أفكاره وسلوكه، فيظهر نقصه بوضوح في انتقاء ما يناسبه من المجالات المهنية والحياتية؛ مما يجعله يوجد في زوايا ومحطات لا تتناسب مع قدراته.

ويعتبر حب الظهور المتطرف في بعض الأحيان من أهم مسببات تفشي ظاهرة التعالم، فحب الظهور حالة مرضية غير صحية يعتقد الشخص من خلالها أنه يستطيع تحقيق مكانة اجتماعية مؤثرة وفعالة، وهو بذلك يطرق كل المجالات التي تخصه وتلك التي لا تتواءم مع ذاته؛ مما يجعله يحقق الظهور ولكن بصورة سلبية وغير مجدية.

إن المتعالم هو شخص يثير الجدل في الكثير من الأحيان، ونظراً لقلة وعيه وضحالة علمه فإنه وبشكل متعمد أو تلقائي يلجأ لإثارة الانفعالات أكثر من إثراء المعرفة.

إن الترف العلمي- إن صح التعبير- جعل البعض يتمادى في الانتقاد في مسائل العلم التي لا يفهمها ولا يقدر على إتقانها، بل صار ذلك عند البعض عادة يمارسها ويدافع عنها بجهل وانفعال ليظهر بصورة ترضي بعضاً من غروره الشخصي.

ولعل التربية والتنشئة التي تعتمد على تفخيم "الأنا" عند البعض وتضخيم الذات أو تلك تنتقص من أبنائها؛ تجعل ذلك الشخص يخفق في تحديد وتصور قدراته بالصورة الحقيقية، وتزداد المشكلة تعقيداً حين ينظر المتعالم لنفسه على أنه مفكر يمتلك حق توجيه الناس وتربيتهم من واقع علمه الوهمي.

إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع بصورة عامة تتمثل في التركيز على شخصنة المواضيع والأطروحات، وبالتالي تضخيم البعض على الرغم من قصوره العلمي والمهني، بناء على معايير سطحية خارجية وتجاهل القيم والمبادئ المتزنة التي يفترض أن تتقدم على غيرها في تقديم العلم والمعرفة.

متعلقات