صحيفة سبق 18 مشاهدة

هي ظاهرة غريبة، وخطر داهم، ووهم قاتل، وانفصام وجنون جامح، حيث بدأت الظاهرة صغيرة كالشرارة، لكن سرعان ما تطاير الشرر، واشتعل الحريق، لأن نظرة المجتمعات والدول إليها لم تكن بمستوى خطورة الظاهرة وغرابتها، بل كانت النظرة إليها نظرة احتقار وتهاون، ولم تكن نظرة استهجان واستنكار ورفض ومحاربة صريحة وإبعاد ناجز، لكن الشرارة تنفست الصعداء حينما استنشقت أكسجين التراخي والتهاون، وعدم استيعاب حجم الخطر منذ بدايته، ووجدت الهشيم ودفعتها الرياح الهوجاء وساعدتها على الاشتعال.

المرض حينما لا يجد العلاج المناسب يتمكن من المريض، لا محالة، والعدو حين يأمن المواجهة والمقاومة يستبد ويفتك بلا هوادة، وكذلك النار حينما لا تواجه بالإطفاء والإخماد تنتشر وتأكل الأخضر واليابس، وهذا حال الناس في التعاطي مع جرائم (داعش) منذ البداية. هذه الظاهرة الغريبة المنبوذة الشاذة التي فتكت بالأرواح وهددت أمن وسلامة المجتمعات، ولم تسلم منها بيوت الله، بل صارت بيوت الخالق التي هي أطهر البقاع هدفاً لفاقدي العقل والبصيرة ممن تشربوا هذا الفكر الفاسد الضال المنحرف الفاجر عدو الحياة وعدو الإنسانية وعدو الدين، وهذا خير برهان على أن من يقف وراءها هم أعداء الإسلام والمساجد وأعداء الإنسانية والأمن والاستقرار.

إن انتشار ظاهرة المعتوهين والمرضى النفسيين وأعداء الحياة والإنسانية وعشاق الدمار والفناء والقتل والإبادة مسؤولية الشعوب والحكومات والأفراد، وهي مسؤولية جماعية، لأن النتيجة المؤسفة لتلك الجرائم تمس الجميع، ولا تستثني أحداً، ولأن هذا السلوك المشين لا ينطلق من هدف أو مبدأ أو عقيدة أو عقل، بل ينطلق من ضلال ووهم وحقد ونفوس ضالة فاقدة للوعي ولمعنى الحياة ودور الإنسان فيها.

للأسف نحن في زمن يشهد أحداثاً لا يقبلها العقل، ولا يتصورها الخيال، ولا تستقيم مع مفهوم الإنسانية، ولا تخطر على بال الإنسان السوي الطبيعي، بل تتجاوز كل ما كان يدركه العقل أو يتصوره من حدود الإجرام والحقد والانتقام من الناس.

لقد وجدت الجريمة منذ وجود الإنسان على ظهر الأرض، وكذلك القتل هو من أقدم الجرائم في حياة البشرية، لكن ثقافة الحقد على المجتمعات والانتقام منها، والقتل الجماعي والتعطش للدماء تحت أية حجة أو مبرر أو فكر أو غاية هي من الأمراض المستعصية التي لا علاج لها غير المواجهة الحازمة وعدم التهاون ووقوف الجميع يداً واحدة لتطويقها واحتوائها.

 إن صدور مثل هذه الجرائم من شباب وصغار سن يفترض أنهم مسلمون أمر في غاية الخطورة، فهذا السلوك حولهم إلى أعداء لدينهم الذي يفترض أنهم يدركون أنه أول من حمى الأنفس والأرواح، وكرم بني آدم وأقر الحرمات، ودافع عنها ومنع المساس بها، ومن أبرز مقاصد الإسلام حماية الكليات التي من بينها النفس، ما يدل على أن معتنقي هذا الفكر المنحرف ومنفذي تلك الجرائم البشعة، وكل من دار في فلكهم ولف لفهم وتناغم معهم، أو اعتقد أو ظن أنهم أسوياء، هؤلاء جميعاً مرضى نفسيون وفاقدو العقل والبصيرة وأبعد ما يكونون عن الدين.

إن واجبنا جميعاً على مختلف المستويات أن نواجه هذه الظاهرة بكل حزم وعزم وجد وإخلاص، لأن التهاون هنا يعتبر تخاذلاً في أمر الدين، وجريمة بحقه وحق الإنسانية، وخيانة لله ولرسوله وللمسلمين وللأوطان.

على الإعلام دور ريادي ومهم ينبغي أن يؤديه بوضوح وصراحة وأن يضطلع به بشكل مباشر وفاعل، وأن يقول كلمته بشأن هذه الظاهرة، ويعطيها ما تستحق من اهتمام ينقذ عقول الشباب من التلوث والضلال والضياع والهلاك، ويسهم في إنقاذ الأرواح وحمايتها.

ولا شك أن الأجهزة الأمنية لدينا تؤدي دورها على الوجه الأكمل وتواجه الظاهرة بكل جاهزية وقوة وبخطط مدروسة بدقة وإستراتيجيات رفيعة المستوى وعن دراية كافية، ولكن دور المواطن سيكمل هذه الجهود ويعززها ويرفدها بقوة إضافية بلا شك.

المجتمع عليه دور أساسي تجاه تثقيف أفراده وتوعيتهم، لاسيما الشباب وصغار السن الذين يقعون فريسة لأعداء الأمة والمتربصين بها والكائدين لها، وضرورة تبصيرهم بحقيقة ما يسمى (داعش) وأن هذا الفكر المنحرف هو صنيعة أعداء الإسلام، وأن هذا السلوك يتنافى مع الدين جملة وتفصيلاً، وعلى كل أب أن يعطي ابنه جرعات توعوية مركزة حول هذه الظاهرة ومن يقف وراءها وأهدافها وأن غايتها فناء السلمين على أيدي أبنائهم، وخطورة ذلك على الفرد والمجتمع، وما يترتب على ذلك من هلاك في الدنيا والآخرة.

متعلقات