صحيفة سبق 72 مشاهدة

لن أقف كثيرًا عند قرار نقل مباراة "النخبة" التي يُشار إليها بالسوبر، من الرياض إلى لندن، وإنه لمن المخيف أن نغير أجمل كلمات العربية بمصطلحات أجنبية، ولكن طالما رحلنا بالمباراة كلها للغرب، فلا غرابة في استخدام المصطلح الغربي.

وعلى الرغم من عدم قناعة الكثير بنقل المباراة، وكثرة الأصوات التي نادت بالعدول عن نقلها، لعدم وضوح الأسباب الحقيقية، أو المبررات المنطقية وراء عملية نقل المباراة، إلا اتحاد الكرة استمر في ترديد نغمة تجربة جديدة، والعائد المادي المجزي لكل فريق، في الوقت الذي نتحدث فيه عن إدارتين لناديين كبيرين، تنفقان مئات الملايين من الريالات على فريقيهما، ولا أعتقد أن بضعة ملايين سيحصلان عليها من هذه المباراة، سوف تشكل لهما ذلك العرض المغري، ولذلك استمر تيار الرفض من قِبل الكثيرين، ولعبت المباراة في لندن، وكان الملعب متواضعًا ولم يكن ذاك الحضور الجماهيري اللافت، ولم نشاهد أي حضور إعلامي بريطاني أو اهتمام، ومما زاد الموقف صعوبة هزالة الإخراج، فلم يرتقِ لحجم المباراة.

ولكن اللافت الحقيقي للنظر، هو السفور غير المقبول لبعض النساء اللاتي حضرن المباراة وللأسف وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وهو أمر لا نقبله من باب تحريم الشريعة الإسلامية التي ندين بها لخروج المرأة سافرة متبرجة، فما بالك إذا كانت بكامل زينتها، والأدهى من ذلك اختلاطها بالرجال، مما شكّل صدمة لكل من شاهد المباراة وتابع مجريات النقل التلفزيوني، وجميعنا شاهد حرص المخرج على اقتناص اللقطات للنساء من أكثر من مكان في الملعب.

ودعونا نحتكم للقرآن الكريم يقول تعالى"يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا" الأحزاب 59

       وأعتقد أن الآية من الوضوح بمكان بحيث يفهمها كل ذي لب، ولئن كان إرخاء الجلباب مطلوبًا لئلا يكون مدخلاً للتعرف على المرأة، فإن حجاب الوجه أوجب من باب أولى، فكيف عندما تكون المرأة سافرة بوجهها وبشعرها ومن دون جلباب وبكامل زينتها؟

       وفي الواقع لا أجد مبررًا للمرأة المسلمة لكي تخرج سافرة أو متبرجة وتختلط بالرجال وقد قامت الحجة بالدليل بأن ذلك محرم شرعًا، وقد يخرج علينا من يقول إن المرأة في العمرة والحج تكشف وجهها بل إن إحرامها في كشف وجهها، وفي هذا الكلام مغالطة وعدم فهم للنصوص، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله  "لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي المرأة [المحرمة] عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه، لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم" انتهى.

ومما يدلل على ما تقدم حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال في الإحرام ) رواه الحاكم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ) رواه أحمد.

وهذا يعني بعد تتبع شرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، إن النقاب باعتبار أنه لباس للوجه، منهي عنه للمرأة في الإحرام بعمرة أو حج، ولكن عليها الاستعاضة عنه بما يستر وجهها من الرجال.

وبالعودة لمباراة النخبة، وما صاحبها من لقطات لنساء سافرات ومتبرجات في حضور الرجال وللأسف بكامل زينتهن، لشيء يجب التوقف عنده، فالحجاب في الإسلام ليس أمرًا اختياريًا، وإنما واجب فرضه الشرع، وهو لم يفرض من قِبل الدولة أو من جهة رسمية أخرى، وإنما فرضته الشريعة الإسلامية وأمر به محمد بن عبدالله سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، فالمرأة المسلمة إنما تلبس الحجاب الإسلامي تعبدًا لله، وليس عادة تعودت عليها، وأرجو أن يكون هذا الإيضاح كافيًا لأولئك النفر من أبناء الإسلام الذين لا يرون فيما عرض ما يدعو للفزع أو الخوف، إنما هو أمر طبيعي فلكل بلاد عادتها وتقاليدها، وأعود فأكرر بأن المرأة المسلمة مأمورة بالحجاب من الله عز وجل على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالمولى عز وجل موجود في كل مكان، والحجاب لمن جهل بالحكم واجب شرعي وليس عادة أو تقليدًَا كما يعتقد البعض.

وهناك سؤال منطقي يطرح نفسه بقوة في خضم عاصفة الرفض والاستنكار لما حدث في لندن، وهو: لماذا ركز مخرج مباراة النخبة على إبراز صور النساء السافرات وبهذا الكم؟ وحتى نجيب عن هذا السؤال علينا ألا ننسى أن القناة الناقلة للمباراة هي إحدى قنوات الـ: MBC وبالتالي فلا غرابة أن تركز على مثل هذه اللقطات، وللأسف أننا عولنا الكثير على هذه القناة وكذلك قناة روتانا، في تبني هموم وقضايا الشارع العربي وتحمل مسؤولية الحفاظ على قيم ومكتسبات المجتمع، فإذا بنا أمام إعلام يتبنى التغريب وبث الأفكار الغريبة عن الإسلام وعن المجتمع الإسلامي، ويعمل على عرض المرأة كوسيلة جذب لا أكثر، ويظهر هذا في الإعلانات التي أسيء فيها للمرأة بشكل كبير.

 وهذا يفسر غبطة معلق المباراة  التي لم يستطع إخفاءها وتمنى إن لو كان النظام يسمح بتمديد        المباراة إلى أشواط إضافية، طمعًا في الاستمتاع، ولم يخف مشاعره تلك وهو يصف حال الجماهير السعيدة بالحدث، حيث قال الجميع مبسوط، الأطفال والرجال والنساء، ولذلك فالعملية لم تأتِ من فراغ، وإنما رتب للنقل التلفزيوني أن يظهر بهذا الشكل ليوصل الرسالة التي يتوهم البعض بأننا سنقبلها ومفادها أننا سوف نخرج بمبارياتنا إلى الخارج، وبذلك لن يكون حضور المرأة عقبة، بل وسيكون بالطريقة التي نريد، أو اقبلوها بهذا الشكل المخزي في الداخل، ونقول لهم بكل اطمئنان، خبتم وخسرتم، لأننا عندما نطالب المرأة بالتستر فهو انطلاق من أمر الله عز وجل للمرأة بالتستر، والله موجود داخل المملكة وخارجها، واستغرب من بعض النساء المغرر بهم أن يكونوا أداة في يد من يريد بهم شرًا، وأذكر من شاهد المباراة أن بعض النساء وعلى الرغم من سفورها، وبمجرد توجه الكاميرا تجاهها، تجدها تضع علمًا أو حائلاً على وجهها، وهذا دليلٌ على أن المرأة تعرف أنها على خطأ ولكن انساقت خلف ما يسمى إعلاميًا "عقلية القطيع" وهو انخراط المرء في السلوك الجماعي القائم وتبنيه له من غير وعي منه". يقول تعالى في محكم التنزيل

"أفمن زين له سوء عمله فرآه، حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون" فاطر 8.

ولا يفوتني هنا أن أذكر كل من أشاد بالنقل الخارجي للمباراة بجميع ظروفه، ولم يكن مقتنعًا بأن ما شاهده لا يليق بالمرأة المسلمة، أن الله سيحاسبه على كل كلمة يتفوه بها الآن ولن يحميه من السؤال وطلب الإجابة في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إلا أن يتوب إلى الله مما وقع فيه.

 وأسوق لكم مثالاً لتقريب الصورة إلى الذهن، فهناك كاتب سعودي أخذته العزة بالإثم فسطر بقلمه" أكاد أجزم أن نجاح مباراة (السوبر) بين الهلال والنصر، التي أُقيمت في لندن، وحضرها السعوديون من النساء والرجال معًا، ستدفع بالمنظمين لمثل تلك المباراة، والأندية ثانيًا، والاتحاد السعودي لكرة القدم ثالثًا، لتكرار التجربة، وإقامة مثل هذه المباريات في الخارج مرات ومرات؛ فمثلما (ننحاش) بحفلاتنا الغنائية إلى خارج المملكة، فالمباريات ستنحو المنحى ذاته؛ وسوف (ننحاش) أيضًا بالمباريات والمسابقات الرياضية إلى الخارج، كي تحضرها (المرأة)، مثلما يحصل في كل بقاع الأرض في العالم أجمع".

وفي البداية أعتذر للقراء عما تضمنه الاقتباس من استخدامات عامية، ولكنني نقلته كما هو، ولا أعلم من يقصد الكاتب بأولئك الذين يهربون بحفلاتهم الغنائية إلى خارج المملكة، وهو يتحدث عن هذه الحفلات وكأنها واجب ديني وهناك من ضيق عليه في أدائه فما كان منه إلا أن هاجر لكي يؤدي هذا الواجب، يا للأسف أن تنطلق أصوات من المفترض أن تبني المجتمع، وتعزز لدى الناشئة القيم  الإسلامية الأصيلة، وإذا بها تنزلق إلى مثل هذا المستوى المنحدر من التفكير، فهل جر علينا الغناء الاكتشافات والمخترعات والأبحاث العلمية، لكي نسافر به خارج الحدود، وهل شاهدتم شبابنا من الجنسين، وهم يتمايلون طربًا في المسارح التي يتحدث عنها الكاتب، حتى ساعات الفجر الأولى، فهل هذا يليق بشباب مسلم، ويبدو أن الكاتب لم يكفه ما شاهده، بل يريد أن يكرر المأساة في موقع آخر. ويقولها بكل جرأة، لكي تحضرها المرأة، ولا أعلم أي فكر يحمل هذا الكاتب، فهل يقيس المرأة المسلمة بأي امرأة أخرى في هذا العالم، ألم يدرّس هذا الكاتب في مدارسنا، وألم يتتلمذ على مناهج علمائنا الأجلاء، التي تعلي من شأن المرأة وتدعو للحفاظ على كرامتها بدلاً من امتهانها على خشبات المسارح وصالات السينما، ومدرجات الملاعب الرياضية، وهل أنتجت السينما والمسارح ومدرجات التشجيع للأمة العالمة والطبيبة والأم المربية، وأقتبس أيضًا مما جاء في مقال هذا المغيب عن الحقيقة حيث كتب "وهناك كثير من (الأضرار) والتبعات السلبية، التي تنتج من مجاملتنا للمتزمتين؛ فمراعاتنا لهؤلاء، تكلفنا وتكلف الوطن، خسائر على مستويات متعددة أهمها على الإطلاق (المستوى الاجتماعي والثقافي) فحصارنا للمناشط الترفيهية، وتضييقنا على الفنون والطرب، وعلى البهجة بمختلف أنواعها وأشكالها، يجعل الفرد، خصوصًا الشاب بالذات، يُفرّغ حماسه الإنساني، واندفاعه، وصبوته الفطرية، ليس في الترفيه والإبداع الفني، وإنما في الإرهاب، أو في التفحيط، مثل ما يفعل (الدرباوية) من شبابنا. وبالمناسبة فليس لدي أدنى شك أن ثمة علاقة قوية، وعكسية، بين الإرهاب وتغييب البهجة والتمتع بالحياة؛ فكلما (ضيقنا) على هذه، (زادت) تلك، والعكس صحيح. لذلك نجد أن أساطين الإرهاب تكره الفنون وتمقتها، لأن من شأن هذه الممارسات صرف الشباب عنهم، وعن معسكراتهم ومحاضنهم الإرهابية " انتهى.

وللإيضاح وحتى لا يلتبس الأمر على القراء، فالكاتب يقصد بالمتشددين والمتزمتين علماء الأمة الأجلاء، وطلبة العلم الأوفياء، وكل من تدثر بالعفة وتمسك بالسنة النبوية المطهرة، فهو يمثل تيارًا في المجتمع لا يرى في تعاليم الدين أكثر من منغصات تحد من سعادة الإنسان التي هي بمفهوم الكاتب ومن لف لفه، إطلاق العنان للغرائز لإشباعها دون النظر إلى حلال أو حرام، المهم عند الكاتب هو الاتفاق والتراضي بين مقترفي المخالفات، أما تبعات انتهاك حرمات الله فتلك مسألة فيها نظر، وتقوم بها مؤسسات المجتمع المدني، والمصحات النفسية، والعجيب أن الكاتب وضعنا بين خيارين أحلاهما صبر، فإما الانحلال أو الإرهاب، فلا يمكن للشاب أن يكون سويًا البتة، والكاتب لم يكتب من فراغ، فما شاهدناه في مدرجات لندن من سفور ما هو إلا غيض من فيض، وما هو إلا نتيجة طبيعية لآلة إعلامية عربية طاحنة لا تعرف الرحمة ولا الشفقة بشباب الأمة، فهي تعمل على مدار الساعة لضرب ثوابت الشباب المسلم التي نشأ وتربي عليها، ولم يكن لمثل هذه الآلة أن يكون لها هذا التأثير لولا وللأسف الشديد وأقولها والحرقة تعتصرني لولا تبني وسائل الإعلام المقروءة الداخلية التي تمثلها صحفنا ومن دون استثناء لكل من يروج لما تبثه تلك القنوات المريضة ومن دون تحفظ، ووقوفها ضد كل من يكتب لكي ينتقد أو يحاول أن يقف في وجه هذا الإعلام  المغرض، وأذكر الكاتب أن إعلام الفضيلة الذي كان سائدًا لم يفرز لنا إلا حفظة كتاب الله والدعاة الذين ملؤوا الدنيا بلا إله إلا الله محمد رسول الله، في حين لم ينتج إعلامكم الفاسد المنحل، إلا الإرهاب والدمار، والتاريخ يحكم بيننا، وأترك الحكم للقراء بعد أن اقتبست بعض ما جاء على لسان الكاتب من كلام لا يمكن أن يصدر من عاقل، ولو استعرضت المقال بكامله، فلن أخرج إلا بنتيجة واحدة لا مراء فيها، البعض ضاق ذرعًا بالتعاليم الدينية التي تحد من أهوائه، فقام يشكك في كل ما له علاقة بالحلال والحرام، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى المناداة بضرورة إعادة النظر في بعض الأحكام الفقهية القطعية تماشيًا مع ما سموه متطلبات المرحلة والله يقول في محكم التنزيل "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتينهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون" المؤمنون 71.

ولا أجد في ختام تعليقي على الكاتب وما جاء به من تخرصات، إلا أن أقول له هنيئًا لك بهجرتك إلى الغناء والطرب والكرة، أما نحن فنعتز بهجرتنا إلى الله ورسوله، نموت ونحيا عليها، واذكر الكاتب فقط بأن من حضر مجالس اللهو والطرب ومباريات كرة القدم من الرجال والنساء ممن هربوا بلهوهم للخارج، الذين يفخر ويباهي بهم، يعدون على الأصابع، فهناك الملايين من أبناء وبنات هذا البلد الطيب، الذين يرفضون كل هذا الغثاء جملةً وتفصيلاً، إنه لمن المؤسف أن نجد أنفسنا في خلاف مع أبناء جلدتنا ممن يدينون بديننا، وتربوا ودرسوا في مدارسنا، ونستغرب كيف ينادون بالتمرد على ثوابت الدين، وينادون بتحرير المرأة وهم يعلمون أن الغرب لم يفلت زمامه ولم تمت فيه الفضيلة إلا عندما حررت فيه المرأة، فعندما يصبح الوصول للمرأة سهلاً، وتصبح سلعة رخيصة، فقل على الدنيا السلام، وهذا باعتراف الغرب نفسه، في الوقت الذي نجد فيه الإسلام ينتشر في كل مكان وبقوة، ولم يكن ذلك لولا أن من اعتنقوه وجدوا فيه الملاذ الآمن والحصن الحصين من كل شر عظيم، والله من وراء القصد.

متعلقات