صحيفة سبق 20 مشاهدة

الحديث عن التطوير السياحي بلغة الإنجازات حديثٌ ملهمٌ؛ لكن في مجال التنافسية السياحية تبقى لغة الأرقام على مستوى الجذب السياحي ومردوده الاقتصادي هي المعيار الذي على أساسه يُصنف التطوّر.

وإذا تحدثنا بهذا المنطق، فإن حجم إنفاق السعوديين على السياحة الخارجية يبقى عالياً جداً مقارنةً بحجم إنفاقهم على السياحة الداخلية؛ ما يعني أن هناك سياحةً داخليةً؛ لكنها لم تتأهل بعد بمشروع شمولي يرفعها لدرجة التنافسية الحقيقية .. إذ وصل حجم إنفاق السعوديين على السياحة الخارجية ما يقارب 80 مليار ريال، السنة الماضية، بينما كان حجم الإنفاق داخليا نحو 28 مليار ريال.

لا يمكن التغاضي عن المنجزات السعودية في مجال التطوير السياحي ولا التقليل من حجمها وجهود القائمين على هذا المجال وما حققتها من مكتسبات على مستوى الجذب السياحي الداخلي، ولسنا هنا في محل سرد ما أُنجز بقدر ما نود التركيز على إشارات سريعة إلى حلول شمولية مساهمةً بكلمة في مجال التطوير ذاته.

إن التحدّي الأكبر الذي تواجهه عملية التطوير ليس تدني البنية التحتية والخدمات تحديداً، وإن كنا نطمح للمزيد، ولا في التنافسية على مستوى السعر، فهناك مَن ينفق أكثر في الخارج، ولكن التحدّي يكمن في بُعدين هما: البُعد البيئي والبُعد الإنساني.

بيئياً مهما طوّرت الهيئات السياحية من خدماتها، فلا يمكنها صناعة مناخ ببيئات على مقاسات هوى السائح؛ إذ لا أحد يتحكم في درجة حرارة الشمس، ولكل سائح ذوقه. وإنسانياً لا يمكن التحكم في الرغبة الذاتية للسائح المتطلع إلى السفر البعيد واستكشاف البلدان مهما كانت عوامل الجذب للسياحة في الداخل.

هذا التحدّي يمكن تحدّيه بحلين لا ثالث لهما:

 الحل الأول: يكمن في العنصر الثقافي بتشكيل الوعي (الإنساني) والتحريض على السياحة الداخلية ببرامج تتحدّى بريق الاستقطاب الخارجي، وهذه عملية تتطلب مشروعاً دعائياً موازياً منافساً بقوة للمزايا التي يتطلع إليها السائح السعودي في الخارج.

إن دولاً تمتلك مناخاً قاسياً استطاعت أن تشكّل عوامل جذب؛ جذبت سياحاً من بلاد (الثلج).. ولا يعني ذلك القفز على الثوابت والخصوصيات (لعيون السياح)، ولكن القفز عن النمط الانغلاقي الذي ليس من الدين ولا الخصوصيات في شيء، هنا تقع المسؤوليات على المعنيين بالتنشيط السياحي بكل خدماته ومزاياه لإبراز أهم ما يرقى للتنافسية لا مجرد مشاريع جبارة؛ فالحديث هنا عن النوع وعوامل الجذب المنافسة لا عن مجرد الحجم وارتفاع الإنفاق .. على أن السعودية تمتلك مناخاً متشكلاً في عمومه.

الحل الثاني: النظر إلى السياحة السعودية بشكل شمولي يتجاوز حدود الجغرافيا؛ فالبذور السعودية أصبحت تحرث في أراض بعيدة ويصل حصادها إلى البلد، كذلكم السياحة تحتاج إلى مشاريع سياحية سعودية خارجية بخصوصياتها وثوابتها تستقطب إليها السائح السعودي خارج أرضه في مناخ نظيف وآمن ومنافس، إنه حل ذكي يحقّق رغبة السائح الاستكشافية، وهو في الوقت نفسه لا يزال محسوباً على دائرة الإنفاق الداخلي للسياحة السعودية.. هذا يتطلب دراسة شمولية لوضع السياحة السعودية داخلياً وخارجياً.

إن الحديث عن تطوير السياحة الداخلية مجرد جناح لا يمكن أن تنطلق به طائرة التحدّي للوضع السياحي الراهن عالياً في الآفاق ما لم يتكامل التطوير بمشروع شمولي لاستقطاب السائح السعودي داخلياً وخارجياً أيضاً، وهذا يتطلب التفكير جدياً في توسيع دائرة الاستثمار السياحي السعودي وتأهيله لهذا التحدّي.

متعلقات