صحيفة سبق 56 مشاهدة

انتشرت بين أوساط المجتمع قضية الحسد، التي أرهقت الكثيرين، واستولت على تفكيرهم، وأصبح كل مريض يعلل سبب مرضه بالحسد وإصابته بالعين، حتى لو أصابته شوكة، أو وقع في حفرة، أو جاءه مغص أو صداع، فإن ذلك يجعل الكثيرين يدّعون أن السبب في ذلك الحسد، وتبدأ الشكوك فيمن حول المريض، ممن أكل أو شرب أو سار معه، فيتحينون الفرص للأخذ من أثر ذلك الشخص، أو يُطلب منه مباشرة القراءة والنفث على المريض أو على ماء يشرب منه المحسود ويغتسل بالباقي. نحن لا نُنكر أن العين حق كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن أن يكون الحسد هو القاسم المشترك لجميع الأمراض فهذا هو الظن الخاطئ، وبعض الظن إثم.

وأنقل إليكم حديث أحد الأصدقاء، الذي يقول: عشت مع أحد الأشخاص سني عمري حتى أنني أجلس معه أكثر من مجالستي لأهلي. وبعد أكثر من عشرين عاماً فوجئت به يدخل مكتبي، ويظهر على شكله التعب والإرهاق، وطلب من فراش المكتب كأس ماء، فأحضره له، ثم اتجه نحوي، وقال أرجو أن تقرأ وتنفث فيه، فسألته عن السبب، فقال يا أخي أنا ما نمت البارحة؛ لأني شاك في أنك حسدتني وأصبتني بعين. قلت له لماذا أحسدك في هذا الوقت وقد عشنا أنا وأنت سني عمرنا مع بعض، وكنت أنت في عز شبابك وحيويتك ولم تشك في يوم من الأيام بمثل هذا الشك، وعندما هرمت وكبرت أحسدك؟!! ثم على ماذا؟ وأنا والحمد لله أفضل حالاً منك، سواء كان ذلك صحياً أو عملاً أو مرتباً، بل إنك في يوم من الأيام كنت تقترض مني؛ فأيّنا يحسد الآخر أنا أم أنت؟ ومع ذلك أخذتُ منه الكأس، ونفثت فيه، ودعوت الله أن يشفيه من الوسواس الذي أصابه، وقصصت ذلك لأحد معارفه فقال لي: لقد مرت على ذلك الشخص تجربة صعبة، فقد مرضت زوجته، وتنقل بها عند عدد كبير من الأطباء والرقاة، وكانوا يوهمونه بأن ما أصابها هو عين حاسد، وقد تُوفيت من السرطان، ومن ذلك الوقت وهو بهذه الحالة حتى أنه يشك في كل من ينظر إليه حتى لو كان أحد أبنائه.

قصة أخرى رواها شخص آخر، كان يعمل مديراً لأحد المكاتب، يقول: كان لدينا أحد العاملين يعمل في أقل مهنة بالمكتب، وفجأة سرت شائعة في المكتب بأن ذلك الموظف يشتكي من أني حسدته، وأنني أصبته بعين. وللأسف، فقد انطلت كذبته على بعض العاملين بالمكتب، لكن البعض تصدى لذلك المتوهم، وطرح عليه بعض الأسئلة عن الشيء الذي يجعل من مديرك يحسدك عليه، فلست جميلاً لتشد الناظر إليك، وليس لديك ذكاء أو ثراء معرفي، وراتبك ربما لا يصل إلى ربع راتبه.. وبعد مواجهته بتلك الأسئلة أصبح مكسوفاً من نفسه ومثار سخرية لزملائه.

إننا أمام مشكلة كبيرة؛ إذ أصبح الغالبية العظمى منا يرى أنها حقيقة، وقد يُصاب الكثيرون بالوسواس من أثر التفكير المستمر والشك فيمن حولهم، وأصبحت عقدة تلاحقهم أينما يذهبون، فيحكمون على أنفسهم بالانطواء ومفارقة أقرب الناس إليهم، عندها يكون قد وضع كل منهم أول مسمار في نعشه.

نحن لا ننكر أن العين حق، لكن أن تُصبح أساساً لكل مرض يصيبنا فذلك الخطأ الذي سيؤثر في علاقاتنا ببعض، بل إنه سيعمل على تفريق الأسر والمجتمع. لقد علّمنا ديننا الحنيف كيف نحصن أنفسنا بالأذكار المختلفة، سواء من القرآن أو السنة. وعلى المسلم أن يتوكل على الله في سائر أموره. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعيذ الحسن والحسين ويقول "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة".

ومما يحصن به المرء نفسه وأهله قراءة المعوذتين وسورة الإخلاص وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، وذكر المعوذات، وهي: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، وقوله تعالى {حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم}، ونحو ذلك من الأدعية المشروعة.

أسال الله أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يرزقهم الصحة والعافية والقناعة، وأن يبعد عنهم العين والحسد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

متعلقات