صحيفة سبق 12 مشاهدة

المتابع للحركة الرياضية في مملكتنا الحبيبة، ورغم أنها انتقلت نقلة نوعية، شملت تقريباً كل الجوانب الإدارية، بما فيها انتخاب رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، وتفعيل عمل الكثير من اللجان بشكل عصري، إلا أن الإعلام وبجميع فروعه، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت تمثل المادة الخام لهذا الإعلام التي تحركه، تفرغ بالكامل للنيل من هذا الاتحاد وقراراته؛ فهناك "مكنة إعلامية" تعمل على مدار الساعة للتجريح والإساءة ليس إلا. وأتكلم وأنا متابع بدقة، ولم أكتب من فراغ. ويبدو أن الأمر بحاجة إلى تدخل ووقف لهذا العبث.

هناك قنوات رياضية تلفزيونية، وإذاعة رياضية واحدة، وبعض البرامج الرياضية التي تبث إذاعياً، ومادتها الإعلامية أصبحت تقود إلى تأجيج الشارع الرياضي الذي هو الآخر على شفا جرف هار. وللأسف نجد أن كل قناة تصرخ وتقول "دعونا من التعصب، والتعصب هو سبب مشاكلنا"، وفجأة نجد القناة نفسها تستقبل مكالمات تلفونية يصب فيها المتصلون فنون التعصب والكره على مسامعنا، وكأننا أغبياء لا نفهم. وتجد المذيع يقول بكل برود "القناة ليست مسؤولة عن آراء من يهاتفها"، وغير ذلك من الكلام الممجوج.

ودعوني مقدماً أعترف بحق هذه القنوات في أن تكسب؛ فهي في النهاية مشاريع تجارية، هدفها الربح عن طريق الإعلان، ولكن الشيء المرفوض هو انحرافها في الهدف الذي مُنحت بموجبه التصريح بمزاولة عملها، وهو إعلام وإخبار وتوعية وتثقيف الشارع الرياضي، فهل هذا الصراخ هو التوعية والتثقيف؟ لا وألف لا.

ولأدلل على كلامي تجد معظم هذه القنوات قد خصصت مقعداً لحكم سابق؛ ليدلي برأيه في قرارات الحكام الذين يديرون المباريات. علماً بأن هذا الحكم المستضاف في القناة –وللأسف - كان في يوم من الأيام مثار جدل في بعض قراراته، ومع ذلك نطرح السؤال المنطقي: طالما أن القرار بيد الحكم داخل الملعب المكلف بإدارة المباراة فما الهدف من جلب حكم آخر ليقيّم قرارات الحكم في ظل وجود لجنة حكام رئيسة، وهي المخولة بذلك؟ أليس من شأن ذلك أن يخلق بلبلة؟ وقد خلقها، وجعل الشارع الرياضي يسب ويشتم علناً حكاماً وطنيين بسبب التأجيج الذي يصنعه مقدّم ومحللو البرنامج، وعلى رأسهم محكّم الحكام.

حقيقة، ما يجري بحاجة إلى من يوقفه، وأقصد بقرار من الرئيس العام لرعاية الشباب، ووزارة الثقافة والإعلام؛ لأنه من غير الطبيعي أن يُشتم ويُجرح الأشخاص، ويُتهمون في نزاهتهم، ويستهزأ بهم على الهواء، بل إن الجنون بلغ بأحد البرامج أن يتيح للجمهور ثلاثين ثانية ليسجل بالصوت والصورة ما أسماه بنقطة نظام، وهي في معظمها سيل من السباب والشتائم والنيل من الأشخاص والأندية وأجهزتها الفنية والإدارية.. أليس هذا ضرباً من الجنون؟ فهل أصبح الشتم والتجريح - وهما من الجرائم التي يعاقب عليها الشرع، فضلاً عن أنظمة وزارة الثقافة والإعلام - وعلى الهواء مباشرة مادة إعلامية يتشدق بها البعض؟ وأصبح للتعصب لزمات "تنابز بالألقاب" بين جماهير الأندية، يشهرها كل منهم في وجه الآخر عند الفوز عليه.

علينا جميعاً أن نقف في وجه هذا الإعلام، ونقول له "كفى"؛ لأنه أصبح يقود الشارع؛ فكل كلمة أو فعل يصدر من مسؤول أو مدرب أو حكم أو رئيس ناد تجده من الغد على طاولة التشريح، وللأسف كلٌّ يتناوله من حيث ميوله وأهوائه، ويسخّره لخدمة أفكاره هو، والضحية هنا في المقام الأول الجمهور، ومعظمه من الشباب، فيتلقف هذه التحليلات والنقد، ويتبناها بكل تعصب، وتصبح جزءاً من مفرداته، وبذلك نكون قد قتلنا الموضوعية والحياد، وربينا في أبنائنا التعصب المقيت والجور في الخصومة.

لم تكن الرياضة في يوم من الأيام بهذا الشكل المخيف. لماذا أصبح فوز فريق على آخر فرصة للنيل من تاريخ الفريق المهزوم، ووصمه بأقذع الألفاظ؟ ألا يمكن أن نتواضع عند النصر؟ ألا يمكن أن نفرح بمعزل عن النيل من الآخرين؟ ثم ما ذنب المنتخب أن يقود تعصب البعض لأنديتهم إلى الإحجام عن تشجيعه؟ ألم نكن في يوم من الأيام ننتظر منتخبنا بفارغ الصبر؛ لكي يشارك في مناسبة رياضية؛ لكي نشجعه، ونمني أنفسنا برفع راية الوطن راية التوحيد عالياً خفاقة، بعد أن تتوحد انتماءاتنا خلف منتخب هذا الوطن العزيز؟ ما الذي تغير؟ لماذا خلت المدرجات من الجماهير التي تشجع المنتخب؟

وأقول لكم الذي تغير هو الصوت الإعلامي، ودخول أصوات إعلامية نشاز، تشجع على التعصب، بل هي تديره وتحركه، وإلا لماذا يختار ضيفين بانتماءات مختلفة، ومن ثم تطرح القضية أو التصرف، ويبدأ بعدها الصراخ يأخذ مجراه؟ ولماذا تنقل رسائل وسائل التواصل الاجتماعي، وتعاد قراءتها والتعليق عليها؟ لقد أصبحت العملية مكشوفة وبشكل مخجل، أهذه هي الإثارة؟ لا يمكن أن يقول عاقل بذلك. وانظروا إلى قضية احتكاك مشجع مع أحد لاعبي المنتخب، وكيف كان التعامل الإعلامي معها. لقد صُوّرت العملية على أنها قضية العصر، وسُخّرت لها البرامج والمنابر الرياضية؛ لكي يحلل كلٌّ على هواه، وتسابقت القنوات الرياضية لأخذ تصريح من المشجع ومن اللاعب، وجرت النقاشات بالساعات من أجل حادثة عرضية، لا قيمة لها أو ميزان.

فهل تضع الرئاسة العامة لرعاية الشباب حداً لذلك حماية للشباب ورفقاً بهم، وإعادة النظر بحجم البرامج الرياضية، وفرض القوانين التي تحد من نشر التعصب؟ فهل يرتقي إعلامنا الرياضي إلى مستوى الحدث الرياضي، ويثري العقول بدلاً من أن يستخف بها؟

أمام منتخبنا الوطني استحقاقات آسيا وكأس العالم، وللمنتخب الحق كل الحق في أن توفَّر للاعبيه الأجواء الصحية التي تبعدهم عن التوتر. فانخراط اللاعب في معسكر يرتب عليه عبئاً نفسياً، لا يعرفه إلا من خاض التجربة؛ لذلك توفير الجو المناسب الهادئ مطلب كل لاعبي المنتخب، وهو بعد توفيق الله العنصر الفعال في تحقيق النصر. فهل نمنحهم ذلك؟ أرجو ذلك. والله من وراء القصد.

متعلقات