صحيفة سبق 31 مشاهدة

الصراخ بقدر الألم، وفقدان التركيز يقود إلى الفوضى والإرباك على أمر فات، والعمل بالخفاء والدسائس والتنظيمات السرية دليل الخسة والغدر والخيانة لأبسط الآداب الإنسانية.

إيران الدولة التي تكونت من عرقيات غير منسجمة ومتباينة، ومن ثقافات متعددة متتابعة، ومن تكوين سياسي مشوش وصادم للأنظمة السياسية الحديثة مع تسييس ديني على خطى ميكافيلي. ذلك البناء غير المتناسق جعل صراعها مع جيرانها الأوفياء هدفًا لأن تنتزع السلطة الإقليمية, وتسيطر على المنطقة العربية التي لا تمت لها بأي صلة ديمغرافية أو عرقية أو إستراتيجية.

تسعى تلك الدولة أن تكون مركزًا رئيسًا لإقليم الشرق أوسطي، ولا يتأتى لها ذلك إلا بالإقرار أنها قوة إقليمية فاعلة خلافًا لواقعها الحقيقي.

جاء في تعريف القوة الإقليمية أنها "دولة تنتمي لإقليم جغرافي محدد، وتهيمن عليه اقتصاديًا وعسكريًا، ولديها القدرة على ممارسة نفوذ مهيمن في الإقليم، ونفوذ معتبر على المستوى الدولي، كما يكون لديها الرغبة في استخدام مصادر القوة، ويقر جيرانها بها كقائد للإقليم".

وميزان القوى أمر تحدده أبعاد كما ذكره د. وليد عبدالحي في دراسته "مستقبل المكانة الإقليمية لإيران عام 2020" وتلك الأبعاد هي:

أ-القدرات المادية للدولة (عدد سكانها، مساحتها، قوتها الاقتصادية والعلمية، وقدراتها العسكرية ...إلخ).

ب-القدرات المعنوية للمجتمع (وتتمثل هذه القدرات في درجة التماسك والتجانس الاجتماعي، مستوى وعي المجتمع، الروح المعنوية للمجتمع، نمط الثقافة أو الايديولوجيا السائدة، الانفتاح الفكري، رضا المجتمع عن السلطة..إلخ).

ج-فن إدارة المتغيرات المادية والمعنوية (ويعني الرشد السياسي في كيفية توظيف المتغيرات المادية أو المعنوية المتاحة لتحقيق إما أكبر قدر من المكاسب أو أقل قدر من الخسائر، سواء عبر المفاوضات أو بناء التحالفات أو استخدام متغيرات القوة المباشرة أو غيرها). 

 ويقدم دلائل تشير إلى أن إيران تنتمي لأكثر من إقليم جيوسياسي ما يشتت تماسكها ويبعثر توزيع الخريطة السكانية بها، فهي مرتبطة بجزء من إقليم آسيا الوسطى, وجزء آخر من الشرق الأوسط وجزء ثالث من أرض القوقاز، وعليه فإن مكانتها الإقليمية تلك تستدعي إدارة علاقتها الدولية بقدر من الحكمة والسياسة الرشيدة وهي ما تفتقده الآن.

والتاريخ الاجتماعي لم ينفك عن الإيرانيين حيث العمق التاريخي للمجتمع وترابطه مع المرحلة السابقة, فالبنية المجتمعية والعقائدية والمنظومة المعرفية للمجتمع تعيد صياغة نفسها من خلال تكيف مع البنية القديمة والتحولات الجديدة القريبة ومحاولة إعادة النسخة القديمة للسياسة الدينية والاستمرار في" ولاية الفقيه" التقديسية بالحكم المطلق مع أن مرجعه الدين الإسلامي المحرف.

لذا تجد تقبل المجتمع الفارسي للدين الإسلامي انطوى على بعدين مهمين , حيث يشير إلى ذلك الباحث بالبعد الأول: بُعد ثقافي امتزج بالدين الجديد المذهبي للمجتمع الإيراني، وبُعد سيكولوجي تمثل في إحساس بالهزيمة أمام العرب الذين لم يكن الفرس ينظرون لهم نظرة احترام بل كانت تسود لديهم نظرة دونية نحو العرب والتي أورثت حقدًا دفينًا وحسدًا لكل ما يحصل عليها الدول العربية من خير وثورة وثروات، وهو شعور أيضًا تغذى على إحساس تاريخي حضاري لدى الفرس، ويبرز في تأكيدهم المستمر أن أغلب الإبداعات في الحضارة الإسلامية ساهم فيها بشكل أساس الفرس، كما تتعزز هذه النزعة بإحساس بالانتماء إلى "الآرية" وعالم الحضارات المستقرة قياسًا للثقافة العربية البدوية البدائية، وانعكس ذلك في تعاقب حركات التمرد التي  كان مركزها "فارس" أو التي ساندتها فارس ضد المركز "العربي" كما أن العرب لم يعطوا لدورهم قدرًا كافيًا من الاحترام تجاه الفرس معتبرين أنفسهم "طبقة القادة"، مما عمق من التنافر بين الطرفين –كما يقول عبدالحي-.

والمتتبع لتاريخ إيران كما يقول عبدالحي يجد أنها بقيت دولة (أو دول) سنية المذهب حتى قيام الدولة الصفوية عام 1501م والتي جعلت من المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة، على الرغم من أن المذهب الشيعي سابق على الصفوية بأكثر من سبعة قرون.

ج-أن الاثني عشرية جاءت إلى إيران على أربع مراحل (قدموا من مناطق عربية من الفرات إلى لبنان)، على اعتبار أن إيران مركز لاحتضان القوى التي تنزع لمناهضة الدولة.

د-أن الإسماعيليين بعثوا دعاتهم زمن الدولة الفاطمية إلى إيران، وبقوا فيها إلى أن جاء المغول الذين أنهوا اعتبار السنية مذهبًا للدولة، وتحول الإسماعيليون إلى تنظيم سري يعمل تحت ستار الحركات الصوفية.

ذلك يعني مسألتين لهما أهمية في فهم ملابسات الواقع الحالي:

1-أن استعانة قوى "التمرد" في الدولة الإسلامية بقوى معينة في إيران ليس أمرًا جديدًا، مما يعني أن تمركز بعض الحركات السياسية العربية المعاصرة في إيران أو التحالف معها ليس أمرًا مبتدعًا في تاريخ المنطقة.

2-أن عدم قبول العاصمة الإسلامية (دمشق أو بغداد) للتشيع أو الاعتراف به أو بغيره من الفرق الإسلامية العديدة، أدى على المدى البعيد إلى تحويل إيران لمركز للتشيع، مما أفقد العرب جانبًا كان يمكن توظيفه لصالحهم، وقد برز ذلك جليًا مع الصفوية التي جعلت من إيران مركزًا للتشيع وبدأت بنقل التراث الشيعي من النجف وكربلاء والحلة إلى إيران، ليتكرر ذلك مع الدولة العراقية المعاصرة التي ساهمت بضغطها على الشيعة العرب إلى تحويل إيران من محيط شيعي يتبع المركز الشيعي العراقي إلى مركز شيعي يتبعه المحيط الشيعي العربي، وهو ما يعد أحد أخطر التحولات الاستراتيجية في تاريخ العلاقات العربية الإيرانية بعد الإسلام, وبين طموحات إيرانية للتوسع على حساب إمارات الخليج تجلى في تزايد كبير للجاليات الإيرانية في دول الخليج، ثم المطالب الإيرانية ببعض المناطق العربية مثل البحرين وجزر الإمارات الثلاث...إلخ.

ومن الواضح أن الدول الخليجية كانت أقرب للاستجابة للضغط الإيراني مقابل معارضة شرسة للتوجهات القومية العربية، ولا شك أن للنفوذ الغربي دورًا في هذه المعادلة.

ويمثل المتغير الجغرافي أحد المحددات المهمة للمجال الحيوي للدولة، وبناء عليه يمكن تقسيم الأقاليم السياسية المحيطة بإيران والتي تحدد نزوعها الجيواستراتيجي إلى أربعة إقاليم كما يحددها عبدالحي وهي:

أ‌- إقليم الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن).

ب-إقليم القوقاز(أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ويمكن إضافة أجزاء من الأناضول).

ج-إقليم آسيا الوسطى (من شرق بحر قزوين وحتى الحدود الصينية الشمالية مضافًا لها أفغانستان).

د-إقليم الجنوب(جنوب باكستان وجنوب شرق الجزيرة العربية).

أما المنطقة التي تمثل مكسبًا كبيرًا لإيران من ناحية، ونقطة تهديد من ناحية أخرى فهي العراق، وهو ما سيجعل من العراق الإقليم أكثر رخاوة والأكثر جذبًا للنزوع الجيواستراتيجي لإيران نظرًا لأن قدرة العراق على التهديد لا تزال قائمة في حالة بقاء القوات الأمريكية فيها، ولكن العراق الضعيف حاليًا يمثل نقطة إغراء لتوسيع النفوذ في حالة انسحاب القوات الأمريكية، وهو ما يترتب عليه أن العراق سيكون نقطة الجذب في كل الحالات.

وقد انعكس هذا المزيج من الثقافة الشيعية وثقافة البازار الفارسي على الدبلوماسية الإيرانية من خلال سمات ثلاث:

أ-الغموض الذي تمتد جذوره إلى مبدأ التقية "الانهزامي الغادر والوجه القبيح لعقيدة ملتوية".

ب-عدم المباشرة والتركيز على التلميح للموضوع وعدم وضوح الهدف النهائي.

ج-المماطلة انتظارًا لتغير الظروف، وهو تعبير عن الصبر في الثقافة الشيعية.

أما ثقافة التغيير فتنطوي الثقافة السياسية الإيرانية على بعد آخر فيه، فالشيعة في التاريخ الإسلامي لم يتسلموا السلطة إلا لفترات قصيرة وقلقة وفاشلة، ولعبوا في معظم تاريخهم دور المعارضة, وهو الأمر الذي عمق لديهم مسألتين مهمتين:

الأولى : خبرة التنظيمات السرية: إذ يرتبط أغلب تراث التنظيمات السرية في التاريخ الإسلامي بالتراث الشيعي أو التراث الذي له صلة بطريقة أو أخرى بهم، وهو أمر يفسر صلابة التنظيمات الشيعية مقارنة بغيرها في المجتمعات الإسلامية.

الثانية:  أثرى وجود الشيعة لفترة طويلة في كرسي المعارضة ثقافة سياسة التغيير، شأنهم في ذلك شأن كل حركات المعارضة في التاريخ كله، بينما نجد أن ثقافة الحفاظ على الأمر الواقع تكرست في الفكر السياسي السني بحكم وجود السنة في السلطة في أغلب المراحل، واعتبارهم حركات التغيير بأنها "فتن".

ومركزية المذهب الشيعي جعله  نقطة الارتكاز للهوية الإيرانية وذلك لعوامل ثلاثة:

أ-إن المذهب الشيعي يشمل أكبر قدر ممكن من السكان (نحو 90 %)، وهو ما يساهم في مساعدة الدولة على تجاوز الولاءات الأخرى العرقية أو اللغوية أو غيرها.

ب-إن إحساس الشيعة بأنهم أقلية في العالم الإسلامي يعزز تماسكهم.

 ج-إن إحساس الشيعة بأن إيران هي "الدولة المركز" سيعزز الشعور بأهميتها والعمل على بقائها وضرورة الدفاع عنها.

واقتصاد إيران يعاني تحديات قد يسارع في انهيارها سياسيًا ومن الداخل خصوصًا، ويتمثل في ظواهر التضخم والبطالة, وتعثر الحريات الاقتصادية والحصار الاقتصادي من بعض الدول الذي بدأ يتحرر بالاتفاق النووي الأخير، وهناك الفساد وطغيان البعد الشعبوي على بعض سياسات الدولة الاقتصادية.

واعتماد الاقتصاد الإيراني على قطاع النفط يجعل مستقبله أسيرًا لهذا المتغير وهو ما يبقي الاقتصاد الإيراني خاضعًا لتقلبات أسعار الوقود والتي لن تجدي والبترول أقل من 90 دولارًا للبرميل كما في الدراسة.

وما سبق يجعل إيران دولة رخوة، تحت التهديد الداخلي، وضعف الثقة بها في المعاهدات الدولية ما يضعف مكانتها الإقليمية، ويقلل من خطرها المضخم عند بعض المحللين والقارئين للأحداث.

وما تقوم به إيران اليوم من دس الاضطراب داخل دول المنطقة خصوصًا المملكة العربية السعودية من خلال بوابة الحج والعمرة وكذا الدول التي فيها وجود للطائفة الشيعية فهي من خلال التنظيمات السرية ومد الأقليات الفوضوية بالسلاح ومحاولة تعزيز وجودها الداخلي بأكبر من وزنها الحقيقي كما يحصل لجماعة الحوثي اليمنية، فهو ديدن لن يستمر ليس لمقاومته من دول المنطقة الأساس بحسب وإنما لهلاميته في الواقع والحقيقة، يبقى على كل دول المنطقة وشعوبها هو الصف الواحد مع سياسة قادتها، والتكاتف معهم، والاتفاق على أمرهم وما يقررون، وتأجيل الاختلافات والمطالبة ببعض الإصلاحات التي يمكن تأجيلها واختزالها , وسيكون لها مستقبلاً – بإذن الله- قويًا وأساسًا في المنطقة تثق به أكثر الدول الكبار ذات المصالح المشتركة.

وفوق كل هذا فإن العقيدة الإسلامية أقوى تجمع والتمسك بها يقود للقوة والمنعة والنصرة، وأن نكون أئمة في الخير بين المسلمين والريادة بين الدول المتقدمة وذلك وعد وعهد الله تعالى ومن أوفى من الله عهدًا.

متعلقات