صحيفة سبق 24 مشاهدة

أولئك الذين جاؤوا من كل فج عميق مستجيبين لنداء ربهم، ملبين، طائعين، فرحين، مستبشرين، تشتعل فيهم الأمنيات، وتتعاظم الرغبات، يلهجون بدعوات تنبت من أعماقهم، تبللها دموع الخوف والرجاء، وقد ارتجت أعماقهم، وخفقت قلوبهم أملاً أن يعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، وقد قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ".. والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"..

الطامعون في مغفرة الله تعالى وفضله، الذين قطعوا المسافات، وأنفقوا الأموال والجهد والأوقات ببياض لباسهم وبياض قلوبهم ماضين إلى الأرض الطاهرة، فرغوا من كل شيء إلا من عبادة ربهم والتضرع له سبحانه، وأداء مناسكهم كما فعل نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، لم يأتوا تجاراً، ولم يبحثوا عن التكسب الدنيوي، ولم يلتمسوا منفعة أو حاجة، بل ابتغوا الأجر من رب كريم، وأن يؤدوا حجتهم التي فرضها الله تعالى على من استطاع منهم سبيلاً.. أي فرحة تعصف باتزانهم حين يصلون الأرض الطيبة؟ مشاعر لا تسطرها سوى الدموع وصوت يخرج كحنين الإبل!

حين تعانق عيونهم الكعبة المشرفة، وتكتحل مقلهم بمنظرها المبهج.. كم حلموا لأجل هذه اللحظة، وتراقصت قلوبهم للفوز بها، وكم من مال حرموا أنفسهم وصغارهم من إغداقه، وجمعوه حتى اعرورقت أكفهم، وشاخت أجسادهم؛ ليكونوا هنا؛ ليتموا أركان دينهم بخامسها الكبير.

قالت لي وقد ارتحلت من بلادها تخدم في دولة إسلامية مجاورة، حين عرفت أنني من هذه الأرض الطيبة: طوال عمري وأنا أجمع المال كي أذهب للحج! تلك هي أمنيتها التي تعيشها.. لم تقل لأكون غنية، ولم تقل لتأمين مستقبل أطفالي، أو ليكونوا أفضل حالاً، أو ليكفيها شيخوختها.. قالت "لأذهب للحج" وقد انقبضت قسماتها! ولاحت أمنياتها العذبة من بين كلماتها..  

مَنْ يجرؤ أن يغتال حلمها قبل أن تتمه؟ هؤلاء المتميزون وقد تسابق الأولون والآخرون (عباد الأوثان والموحدون) على خدمتهم، والظفر بالتيسير عليهم، والفخر بمساعدتهم.. كيف يجرؤ أحد على إيقاع الأذى بهم؟ مَنْ يجرؤ ليحرمهم لذة العبادة وحج بيت الله؟ إنهم ضيوف الرحمن!!

هل هناك من يملك قلباً كقساوة الحجر حتى يؤذي حاجاً جاء لربه ملبياً؟ أي حسرة سيعيشها في الدنيا والآخرة وقد آذى عباد الله؟ أي كسب رخيص سيجنيه من يؤذي عبداً لله، تجرَّد من زيه ومن مخيط الثياب حاسر الرأس أعزل من كل شيء إلا من دعوات قلبية صادقة لرب كريم؟ وحاجة التفت في خمارها، وقَدِمت رغم ضعفها تزاحم البشر الأطهار، وتعاني مشقة الزحام في حر شديد، وقد تلاحقت المناسك في وقت ضيق، وجمع غفير.. فقط لتفوز برضا الرحمن؟ وقد صار بمنزلة الجهاد للمرأة؛ إذ لما استأذنت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها – النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد قال عليه الصلاة والسلام "جهادكن الحج".

مَنْ يتخيل في أسوأ الظنون احتمالاً أن يستل أحدهم سيف غدره ليقتل ملبياً؟ يا الله.. كم هو تصور موجع ومؤذ.. فكيف لو ثبت ذلك؟ هذه الأرض الطيبة التي أَمِنت فيها الحمائم والأشجار، وجُعل قتل الصيد للمُحرم من محظورات الإحرام؛ فقال سبحانه: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.. هذه الآية نزلت في رجل يقال له "أبو اليسر"؛ شد على حمار وحش وهو مُحرم فقتله!! ويقول أهل العلم: لا يجوز للمُحْرِم اصطياد الصيد، ولا قتلُه بمباشرةٍ أو تسبب أو إعانةٍ على قتلهِ بدلالةٍ أو إشارةٍ أو مناولةِ سلاحٍ، أو نحو ذلك. هذا التشديد كله لأجل إزهاق روح حيوان، فكيف بروح إنسان، وأي إنسان!؟

قولوا لي هل هو بشر من يسعى ولو بكلمة ليقتل حاجاً؟

متعلقات