صحيفة سبق 12 مشاهدة

لم أكن أتوقع أن تصل الفوضى في واحد من أعرق مستشفياتنا، هو "مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي"، لدرجة توزيع أرقام المراجعين للعيادات بناءً على مَنْ حضر أولاً، متجاهلين الموعد المحدد بالساعة والدقيقة في ورقة الموعد الرسمي. وبسؤال المسؤولين في المستشفى، ابتداءً من العيادة، وانتهاءً بسكرتارية مكتب مدير المستشفى، أجابوا بأن هذه هي الطريقة المتَّبعة، و"ليس بالضرورة أن نلتزم بالموعد المكتوب"، بمعنى "من سبق لبق"؛ فليس من المهم أن يكون موعدك الساعة العاشرة، أو التاسعة، ومن ثم سترى الدكتور في الوقت نفسه، أو بهامش تأخير قد يمتد لنصف ساعة، أو أقل، وهو ما يمكن قبوله، ولكن ليس لدرجة تصل بالمراجع أن ينتظر ثلاث ساعات بعد الموعد المحدد له في ورقة الموعد الرسمية، وربما أكثر من ذلك؛ والسبب - وبكل برود – "هناك من حضر منذ الصباح الباكر، ومن ثَمَّ رُتِّبت الملفات بناءً على الحضور، لا على الموعد المكتوب"! فهل علينا أن نتدافع على باب المستشفى كما هو الحال في بعض الدوائر التي يراجع فيها المواطنون ضاربين بعرض الحائط الموعد المسجَّل رسمياً في ورقة مطبوعة بالكمبيوتر، وتكلفتها على المستشفى لا تقل عن ريال؟!

ولم أكن أنا المتضرر الوحيد من هذا الفعل، ولكن غيري الكثير، وكلهم متضجرون؛ ولذلك قررتُ الوقوف على الأمر بنفسي، وتوجهتُ لعيادة الدكتور الذي أنتظر من أجله (عيادة العيون)، فلم أجد لديهم جواباً شافياً سوى أن النظام في المستشفى قائمٌ على من يحضر أولاً يُعطَى رقماً، ويوضع ملفه أولاً؛ ويدخل حسب الرقم المزعوم. وكل طاقم التمريض الذي ناقشته كان مقتنعاً بما أقول، ولكن يرددون بصوت واحد "النظام هنا بهذا الشكل والكيفية"، دون اعتبار للوقت المكتوب في الموعد الرسمي. فما كان مني إلا التوجُّه لمكتب مدير المستشفى، وطلبت مقابلته، فأخبرني مدير مكتبه بأنه غير موجود، وسألني عن حاجتي، فشرحت له ما حل بي من تعطيل، امتد لأكثر من ساعتين؛ إذ إن موعدي المسجَّل رسمياً في كارت المراجعة يشير إلى العاشرة وخمس وخمسين، وحضرت للمستشفى في العاشرة وعشرين دقيقة، ولم يُنادَ عليّ حتى الآن، وقد جاوزت الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة. وفوجئت على الفور برد مدير المكتب، الذي كان صورة طبق الأصل لمن قبله؛ وبدأ يسوق المبررات نفسها، ولم أجد بُدًّا من تمسكي بضرورة الالتزام بالمواعيد المسجَّلة رسمياً، ومن لم يحضر في موعده فعليه الانتظار، أو تحمُّل إلغاء موعده، فهذا شأن آخر. وعبثاً حاولت إقناعه، وتقدَّم أحد المسؤولين لتهدئتي رغم أنني لم أكن منفعلاً، بقدر ما كنتُ مشفقاً على الوضع الذي أمامي، وكرر عليّ نفس ما قاله زميله من قبل، بل طالبني بأن أتحمل، وأنتظر حتى أقابل الدكتور، وبشَّرني بأن العيادات الجديدة التي ستنتقل لها عيادة العيون سوف تكون أكثر تنظيماً؛ فأخبرته بأن لا علاقة للانتقال بهذه الفوضى، ولنفرض أن الانتقال للمبنى الجديد تأخر أو لم يتم لأي سبب، فهل هذا يبرر استمرار الفوضى؟ وأردفت بأنني لم أصعد لمكتب المدير العام إلا بعد أن اتخذت قراري بالتخلي عن الموعد الذي طال انتظاره لأكثر من سنة بحجج واهية، وليس أمامي إلا المراجعة في أحد المستشفيات الخاصة، وإنما أنا هنا لأسجِّل احتجاجي على هذه الفوضى المستمرة منذ عقود. وبذلك عدتُ خالي الوفاض.

والغريب في الأمر، والمحير، هو الإجماع والاقتناع من قِبل العاملين والمسؤولين في المستشفى بما يحصل، بل الكل يبرر الغلط، والكل يصرُّ على استمرار هذه الفوضى العارمة، بدون شعور بالخجل، أو محاولة تصحيح الخطأ وتقديم الاعتذار، بل الجميع يرفع شعار "هذه طريقتنا، ومن لا يعجبه يضرب برأسه عرض الحائط". وفي كثير من الأحيان يبرَّر التأخير بأن الدكتور طُلب لحالة طوارئ، وهو أمر يمكن قبوله، ولكن ألا يوجد بديل؟ هل البديل هو الانتظار لساعات؟ أليس من حق المرضى أن يُبلَّغوا بأن الطبيب طُلب لحالة طوارئ، ومن لا يستطيع الانتظار يعوَّض بموعد آخر في أقرب فرصة؟ أليست هذه هي أخلاقيات العمل الطبي الإنساني؟

وبالطبع ليس هذا المستشفى هو الوحيد الذي تسوده هذه الفوضى، بل إنني على يقين من هذا، ومن تجارب شخصية لأقارب وأصدقاء، ما زالت معاناتهم مستمرة. والوضع يصبح كارثياً في حال كان المريض كبيراً في السن، أو مقعداً؛ فكل دقيقة تمر عليه تكون كالجبال في ثقلها، وتزيد من آلامه. وكيف بحال أهل القرى التي لا يوجد فيها سوى مستوصف غير مكتمل الخدمات، وبعضهم عليه السفر أربعين كيلومتراً لكي يصل لأقرب مركز طبي، وكل هذا بسبب واحد هو افتقارنا للتنظيم، وعزوف بعضنا عن النصح والتعنت في قبوله، وهو ما انعكس على بعض من انتقدتهم في المستشفى، وثارت ثائرة بعضهم عندما اتهمتهم بأنهم بهذه الطريقة يعاملون المراجعين كقطيع من الخراف، لا قرار لهم، ولا خيار إلا ما يقررونه هم، في حين عجزوا عن توصيف ما يحدث، واستمروا في تبريره بما لا يمكن تصديقه أو الاقتناع به من مبررات واهية.

إنه الإصرار على عدم الاعتراف بالخطأ. وقد قررنا فيما مضى أن أولى خطوات النجاح هو تصحيح الأخطاء، ومفتاح ذلك هو الاعتراف بالخطأ، ومن ثم تبدأ عملية المعالجة وإصلاح الخلل لضمان عدم تكراره - بإذن الله -.

فهل يجد هذا المقال صدى عند المسؤولين الذين لم أستطع أن أقابلهم وجهاً لوجه، وكنت حريصاً على ذلك؟ فالاتصال المباشر هو الأسرع والأنجع والأكثر فعالية، والأسرع في استقبال ردود الأفعال وتعديل السلوك بناءً عليها.

إننا بحاجة ماسة لوضع أنظمة تحكم العمل الصحي، وترتقي به، بدلاً من اجترار تجارب فاشلة، لم تفلح فيما مضى، بل هي السبب الرئيس في استمرار الأخطاء والتخبطات التي نعيشها الآن، والتي ما زالت تقف عائقاً أمام تطبيق نظام التأمين الصحي الذي طال انتظاره. فليس بمقدور كل مواطن مراجعة المستشفيات الخاصة الباهظة التكاليف، وإن غامر وراجعها مرة فإنه حتماً سيفشل في الاستمرار لتزايد التكلفة المادية، وعجزه عن الوفاء بتلك الالتزامات المرهقة. وما المانع وقد انتشرت المستشفيات، وأُهِّلت بالكوادر الطبية، أن يوضع نظامٌ صارم للعمل به وفق ما هو معمول به في جميع دول العالم المتحضر، ونحن إحداها بدون مبالغة. وإن حاول البعض أن يؤخر مسيرتنا فعلينا أن نقف حازمين في وجهه، وأن نتجاوزه لما هو أفضل. والله من وراء القصد.

متعلقات