صحيفة سبق 8 مشاهدة

يقول أحد الخبراء في تثقيف المراهقين: "أن لا تقدم شيئاً توعوياً لهم خيرٌ من أن تقدِّم عملاً عشوائياً؛ يتحول إلى ترويج لسلبيات جديدة بينهم".

تذكرتُ مقولته وأنا أستعرض واقع رعاية شبابنا، والبرامج المقدَّمة لهم. ووجدتُ ما يؤكد كلامه في حوادث عديدة، منها أنه وصلني قبل أيام مقطع صوتي لأم تتحدث مع ابنها عن لعبته في البلايستيشن، وكان يقول لأمه "إن من ألعب معهم يطلبون مني أن أقتلك وأقتل أبي لأدخل الجنة". ثم شاهدتُ مقطع فيديو لطفل يحادث قريبه عن مشاهداته في اللعبة، وكيف أنها تسوق للرذيلة وهدم القيم.. وصُدمت من صور نشرتها الصحف عن طريق مجموعة من لاعبي أحد أشرطة البلايستيشن الجديد لكرة القدم، وكان في اللعبة ممارسات بين اللاعبين تخدش الحياء، وتنشر الفساد والانحراف، وتروج لممارسات جنسية ورذيلة أسوأ.

كل هذه الشهادات السلبية انتشرت خلال خمسة أيام، وساهمت في توعية الأسر بشكل جيد، ثم جاء في اليوم السادس إعلان نشرته الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وهو دعوة للعب البلايستيشن في مقهى تجاري بالرياض، ضمن بطولة لكرة القدم في البلايستيشن. تمنيت أن يشمل فقرات توعوية فلم أجد.. وظننته يحدد فئة عمرية، وخاب ظني! ووددتُ لو أنه ضمن خطة سنوية فلم أعثر على أي خطة، لا سنوية، ولا شهرية.

إنه لعب فقط.. وتسويق للمقهى وللعبة البلايستيشن، التي لا نؤيد منعها، ولكنها تحتاج للتوعية والتثقيف وحُسن الاختيار، وليس للبرامج العشوائية، وربما السلبية.

هذا مثالٌ بسيطٌ لواقع كبير محبط وممل للشاب، فإما أن تلعب كرة قدم وبلايستيشن أو لا برامج غيرها، ولا دعم، ولا جهد.. وهو أيضاً مثال واضح على أن بعض جهاتنا لا تدري ماذا يحدث في المجتمع، وتعمل حسب مزاجها، وحسب الظروف، والعشوائية تحكمها.

وربما أن العتب ليس على الرئاسة العامة لرعاية الشباب؛ فهي لم تكن يوماً تنظر لرعاية الشباب على أنها الهدف الأساسي. وما تقوم به الآن يُعتبر جهداً فارقاً عما سبق. ولكننا - ككل في الوطن - مقصِّرون في حق الشباب، وبعيدون كل البُعد عن رعايتهم.

ومَنْ يفكِّر ملياً يرَ وزارات مترهلة بقيادات تردِّد عبارات عن الشباب، وتتهمهم بأنهم كسالى، وتريد أن تقنع المجتمع بأن شبابنا هم أساس تأخرنا، وأنهم يبحثون عن وظائف مكتبية فقط، برواتب عشرة آلاف ريال، ويصوِّرون أن ذلك إسرافٌ، وعليهم الحفاظ على الأموال.. ثم تبحث فترى هذه القيادات تملأ مكاتبها بأسماء غربية وغريبة، وبرواتب الـ150 ألف ريال وأكثر! وتبحث ملياً فلا تجد هذه الأسماء الأجنبية تقدِّم شيئاً كبيراً أو خارقاً، بل أعمالاً يستطيع شبابُنا أن يقدِّموها.

ومَنْ يفكِّر في جانب آخر يرَ كثيراً من شبابنا تائهاً حائراً.. والبرامج المتوافرة له هي التفحيط، جلسات الشللية، التسكع في الشوارع، الإدمان، التعصب الرياضي، ملاحقة اللاعبين وإغلاق فكره ومستقبله في سبيل مصلحة نادٍ رياضي!

ومثال ثالث يستحق التمعن والحسرة: فقبل أشهر عدة احتفلت دول العالم بيوم الشباب العالمي؛ وعقدت فيه المحاضرات والندوات والبرامج، وافتتحت فيه الخطط الشبابية.. هذا في أغلبية دول العالم الغنية والفقيرة. ولكن مؤسساتنا الوطنية قدمت حدثاً واحداً وتائهاً ومخجلاً في هذا اليوم؛ إذ نظمت مباراة للهلال والنصر في لندن، وباعت شبابنا لمن يشتريه أكثر؟ ولمن لديه أهداف خفية، وللشركات المعلنة والمجموعة التلفزيونية التي احتكرت نقل الدوري السعودي، ولم تقدم للشباب أي عمل إيجابي.

نعم.. الوطن مقصِّر في حق الشباب.. ولا وجود لخطة لتطوير الشباب، ولا برامج، ولا رؤية، ولا محاسبة للجهات المعنية عنهم، ولا دعم مالي يتناسب واحتياجاتهم.. وتركناهم للعشوائية ولكل من يريد أن يستغلهم ويحتضنهم ويرعاهم.

أما بعض المسؤولين لدينا فهم يتنافسون غالباً على الظهور أمام ولاة الأمر، وفي حفلات الافتتاح باهظة الثمن، التي تتكسب من ورائها شركات التسويق والتنظيم، ويرددون عبارات براقة عن الشباب، ويوهمون أن خططهم عالية المستوى، وهم يهتمون فقط بمن يدير ميزانيات الحملات وصورهم التي تظهر في الإعلام، ثم بعدها يرمي كل مسؤول التهمة على الآخر.

ومن الواقع والوقائع، فإن الشباب يمثلون النسبة العظمى من المجتمع، ويحظون بالاهتمام الأقل. وفي الأصل هم قوة الوطن وعماده، لكنهم في الحقيقة الآن هم الأضعف.

نحن في زمن سلمان الحزم، والوطن بحاجة إلى "عاصفة حزم" تعيد للشباب قوتهم، وتمنحهم الاهتمام، وترفع من مستوى رعايتهم، وتحاسب كل مقصِّر..

والوطن بحاجة لهيئة عليا لرعاية الشباب، تكون اسماً ومسمى وتطبيقاً، ويكون لها عمل ملموس، يصل لكل شاب في مدينته وحارته التي يسكنها، وفي مواقع مناسبة، وببرامج رائدة.. وبحاجة لمجلس شورى للشباب، يحاسب كل الوزراء المتخاذلين في خدمتهم، ويدرس ويخطط ويوجِّه.. وأن نقدِّم لشبابنا برامج تناسبهم، وتحفظهم من مزالق الانحراف بأشكاله كافة، وأن نسمع من وزارة الإعلام وهيئة الإعلام خطة كاملة، توقف وتضغط على القنوات المنحرفة والهابطة والخبيثة، وتعزز برامج الشباب في قنوات شبابية خاصة، وتحفظ حقوقه، وتقدم له التوعية، وتتابع، وتساهم بقوة في هذا..

وأن يتم تنفيذ خطة لمتابعة مواقع التواصل ودراستها، وتوعية الشباب عنها، وتقديم البرامج الهادفة لهم من خلالها..

وعلى الجهة التربوية أن تقدِّم عملاً مكتملاً، يؤسس لواقع جديد للشباب، وجهة أخرى تقدِّم توعية مؤسساتية للأسر..

وأن تقوم وزارة العمل بتفعيل أكبر لبرامج صندوق تنمية الموارد البشرية، ودعمه، وتكثيف الاتفاقيات مع مؤسسات المجتمع لتوظيف وتأهيل الشباب على شاكلة مبادرتها مع مؤسسة الملك خالد الخيرية، وغيرها.

ولا بد من دعم ودعوة؛ لتتكاتف الجمعيات والجهات في سبيل دعم الزواج للشباب، وتسهيلات كبيرة لهذا الهدف..

ونحتاج إلى أن نفكِّر جدياً في حلول عملية لكل معوقات تقدُّم الشباب، وحلول للمخاطر التي قضت على بعضهم، مثل المخدرات والتفحيط والانحراف والإرهاب..

ونحتاج إلى التجنيد العسكري الإلزامي للشباب؛ ليشعروا بأهمية الأمن وعمل رجال الأمن، ويبتعدوا عن مظاهر النعومة، ويكونوا صفًّا مدرَّباً في حماية الوطن.

وأن ننشئ جهات متخصصة لدعم أفكار الشباب ومشاريعهم بلا تعقيد وواسطة، ومصانع تقنية وفكر لشباب المستقبل.

هذه أمثلة فقط، والأسئلة والأفكار كثيرة، وكلها قابلة للتطبيق إن وُجدت الرعاية.

لقد أهملنا شبابنا كثيراً، وأشغلناهم فيما لا ينفع، وضاع بعضهم بين المخدرات والانحراف والدعشنة والجرائم والعصبية القبلية والمناطقية.. وكان صيداً سهلاً للقنوات الفضائية ذات السم الخفي.. والكل مسؤول عن ذلك، من الأسرة والمجتمع والأجهزة كافة.

فهل نوقظ المجتمع، ونعيد صياغة التربية الأسرية والتثقيف والتعليم والرعاية، ونطالب الجهات بالاهتمام، ونحفزهم، ونحاسبهم؟ أم نتجاهل، ونردد كلمات المسؤولين في حفلات الافتتاح؟!

متعلقات