صحيفة سبق 17 مشاهدة

لا يدرك الكثير من الجماهير حقيقة الصراع الفكري والسياسي الذي يتابعونه ويغترون في الغالب بعناوينه المعلنة وتفاصيله المثيرة، بل ويتحملون الجزء الأكبر من التعصب له والتحيز لأطرافه، وتجاوز مضامينه إلى تكوين المواقف وتصنيف المخالفين والتشفي بإحراجهم، والوصول إلى حد الإساءة لهم أحياناً.

يجري هذا في الغالب في غفلة تامة عما يحدث خلف الكواليس، والإغراق في الانشغال بالصورة الظاهرة، وبما يريد صانع الحدث والمتفنن في حبكة المشهد وأطراف النزاع أنفسهم أو الخبير الماهر منهم والذي يتقن إثارة ما يريد من قضايا وجرّ الناس إلى مواطن النزاع التي يريد.

والغائب من المشهد أن الخلافات السياسية والفكرية المعلنة التي تتجاوز الغرف المغلقة ومجالس الاختصاص لا يراد بها حقيقة الخلاف ومضمونه في الغالب، وإنما تستهدف الاستقطاب أحياناً والضغط أحياناً أخرى، وتسعى لإشغال الرأي العام أو إحراج الخصوم، وتصل أحياناً إلى حد تصفية الحسابات، فمروان بن الحكم يسب علياً -رضي الله عنه- على منبر المدينة ويتطاول عليه، ويقول في مجالسه الخاصة: "إنه على الحق، لكن لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك".

وأنا هنا لا أتهم جهة ولا أهاجم طرفاً ولا أزكي أو أستثني أحداً، بل أحكي حقيقة ما يجري خلف الكواليس. كواليس النفوس البشرية الضعيفة والعقول الإنسانية القاصرة التي يستولي عليها في قضايا النزاع حالة تفقد معها توازنها وتتجرد فيها عن قيمها، وتسترسل فيها مع ردود أفعالها وضغوط مجموعاتها وأهواء أنفسها وحسابات مصالحها، وإن كانت تعلن خلاف ذلك وتقف خلف شعارات براقة تبرر بها لنفسها وجمهورها سوء تصرفها، وتجاوزها حدود الأدب إلى الفجور في الخصومة والافتراء على المخالف، وخلط الأوراق وتعميم الأخطاء.

ويكابر كل من يجرد قضايا الخلاف المعلنة من المصالح الشخصية والحزبية والفئوية ومناطق النفوذ ومجالاتها، كما يبالغ أيضاً من يحصر قضايا الخلاف فيها ويجردها من حقيقتها العلمية وطبيعتها البشرية المتطلعة للبحث عن الحقيقة وطلب الصواب. لذا يصاب الكثير من المتعقلين في النظر في أطراف كل خصومة ونزاع فكري أو سياسي بخيبة الأمل والإحباط، وهم يرون الكثير من الخائضين في قضايا النزاع يختل توازنهم ويفقدون رشدهم ويستحضرون كل مهاراتهم في النقد والتحقيق، وهم يسعون في نقض حجج الخصم ويتخلون عنها في رصد عيوبه، ويكتفون بـ"يقال" و"سمعنا" و"ذكر لنا"... أو يكتفون أحياناً يما يذكر خصوم خصومهم ويشيعونه عنهم، ومن المتقرر أن المخالفين من كل الاتجاهات والمذاهب ليسوا هم المصدر الصحيح للتعرف على الخصوم أو نقل مواقفهم، كما أنهم يخلطون بين النظرية والتطبيق وبين الفكرة وصاحبها، ويلبسون على الناس في الخلط بينهما الناتج عن ضعف الحجة أو قلة الخبرة في التعامل مع قضايا النزاع أو الخبث والدهاء في استغلالها وتوظيفها.

وفي المقابل يدافع أصحاب المواقف والأفكار الصحيحة عن التطبيقات السيئة والنماذج المشوهة المنتمية إليهم، ويبررون أخطاءهم ويقللون من حجمها، مما يضعف الفكرة الأساسية أو ينفر منها، أو يحرج المتجرد والمحايد المستهدف، ويتيح فرصة للمخالف ليجادل بالباطل ويلبس على الناس.

كل هذا يجري خلف كواليس الخلافات المتصدرة في المشهد، ويحدث بعيداً عن رصد المنشغلين بالصورة الظاهرة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

متعلقات