صحيفة سبق 11 مشاهدة

في مجتمعنا يرتفع صوت الخطاب الديني في مجالسنا الحقيقية والافتراضية، فينطلق من منابر إعلامية عدة، كالإلقاء بالخطب والمحاضرات والدروس والنصائح التلقائية، ومنها الرسائل المكتوبة والمؤلفات المحققة، وكذا رسائل التواصل الاجتماعي بكل أدواته وقنواته؛ فتقرأ النصائح الدينية والوعظية والتعليمية، ومناقشة الآراء ووجهات النظر.. مع الإشارة إلى أن النصيحة من العبادات التي أمر الله بها، ويُثاب فاعلها. وهنا يقود إلى أن أكثر من يتلقى التوجيهات المسلمون.

تأمل في مجتمعنا حين يؤطَّر الخطاب الديني بفهم المسائل الدينية ضيقاً واتساعاً، وبالأيديولوجية الفكرية أيضاً، كما يتدرج الاجتهاد بحسب الحال والأحوال؛ فتسمع خطاباً متسامحاً، وآخر متأزماً! وثالثاً عدائياً. فالأول يكون في ميدان المنهج السمح، والثاني من رد فعل لموقف، والثالث من منهجية التدين المتشدد.

ومن المؤلم أن ترى نسخاً من الدين ولا تجد متدينين، وتشاهد مظاهر دين جوفاء.. هؤلاء يفشلون حين يمارسون شعائر الدين في اختباراته ومفارزه. خذ عينة لأمثلة بحثية، وراقبها بالوصف والاستقراء والتحليل. مثلاً: سلوك كسب المال، سواء من التجارة أو من الوظيفة!! كيف تأدية الأمانة في البيع والشراء؟ وكيف هو في عقد الوظيفة تحملاً وأداءً!! وهناك مثال في كلامه وأحاديثه! قد تسمع غيبة ونميمة! لكنها مقننة ومغلفة بلباس من الدين فضفاض!! وترى تأولاً والتفافاً..

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

إن ممارسة الدين أشد من العلم به. قد ترى عالماً في أقواله، لكنه جاهلٌ في أفعاله.. وترى ملتزماً في مظهره، لكنه مقصِّرٌ في مخبره..

من يدخل عالم التجارة يجد من هؤلاء كثيراً؛ والسبب أن (الفلوس تعمي النفوس) كما يقال. فالمال غالب على النفس إن لم يكن الإيمان أقوى.. وهكذا يسقط من يُحسن اتباع السُّنة ظاهراً، فـ"رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" كما في الحديث؛ لأن هيئته ليست هيئة ذي الدين والهيبة.

أما عامة المسلمين فإن نظر غير المسلمين لهم كنظرة العامي للمتدين ظاهراً.

لنتساءل: كيف نحن وممارسة الدين باحترام الآخرين في الأماكن العامة مثلاً، والالتزام بالنظام العام، وفي التسامح، والعفو بعد الزلات، وفي الفجور عند الخصومة..

إذاً، علينا أن نطابق علمنا على عملنا، فإن أرذل الأخلاق أن يُظهر الإنسان غير ما يُبطن، مع أهمية مجاهدة النفس.

وعالم بعلمه لم يعملن ** معذب من قبل عبّاد الوثن

كم من داعية صامت، وكم من خطيب أكثر صمتاً، فإن لغة الأقوال أشد من لغة اللسان.

جعلني الله وإياكم ممن علم فعمل.

متعلقات