صحيفة سبق 5 مشاهدة

الإسلام دين عظيم، لا تمثله تصرفات أفراد متطرفين، أو منهجية فئات منحرفة. الإسلام يتجلى في الطابع العام للمجتمع، في الوسطية التي تظهر على غالبيتهم، في الأخلاق الفاضلة التي أمر بها الله، وتجلّت في سلوك المصطفى، وتتفشى في السواد الأعظم منهم.. أما قتل الناس الآمنين، والمستأمنين، أو الذين يقرون بوحدانية الله، فهذا أعظم الظلم، وأشد الفتن؛ لذلك غضب المصطفى على أسامة بن زيد حين قتل أحد المشركين قبل إسلامه، بعد أن قال (لا إله إلا الله)، ولم تنجح حجته بأن المشرك قالها تعوذاً من القتل، في تبرير فعلته، فأعطى عهداً للمصطفى ألا يقتل رجلاً يقول (لا إله إلا الله) أبداً، فقال له صلى الله عليه وسلم حينها: "بعدي يا أسامة"؟ فقال: بعدك.

أفتح الصحيفة صباح اليوم فأشاهد خبرين متناقضين لشابَّين مسلمَين، أحدهما في بلاد غير مسلمة، ويقدم نموذجاً حقيقياً للرجل المسلم، والآخر لشاب في بلد الحرمين الشريفين، ويقدم صورة مشوهة لدين التسامح. فالأول ينقذ امرأة لا تشترك معه في دين، ولا يعرفها، ولا تربطه بها علاقة.. امرأة عابرة، تحترق سيارتها؛ فيترجل من سيارته، ويخاطر بروحه، وينتشلها قبيل لحظات من اشتعال السيارة؛ لأنه أدرك أن من أحيا روحاً بشرية فكأنما أحيا الناس جميعاً. أما الآخر فينطلق بأدلجته الفاسدة، وفكره المنحرف، وسلاحه الرشاش، فيفرغه في أرواح العابرين صغاراً وكباراً، ونساء ورجالاً، فيقتلهم بدم بارد، وهو يعلم أنهم يقولون (لا إله إلا الله)، ويشهدون برسالة المصطفى. ولأن العقيدة التي يؤمن بها تكره الحياة، وتبجّل الموت بحثاً عن فردوس مزعوم، فإن أول سؤال يتبادر إليه هو: كيف يموت؟! ولا يهم قبل ذلك من يكون وقود فكرته، ولو قتل الناس جميعاً. زاعماً أنه يخدم الإسلام وهو ليس من الإسلام في شيء، وكأنه بهذا يريد - وفق تصوره - أن يتولى الحساب بدلاً من الله قبل يوم القيامة.

إن الإرهاب بوتقة واحدة، وقالب محدد، ينصهر فيه المنبوذون، والمنحرفون، والتائهون، فيطبعهم وفق شكل مقنن، يتشابهون في الفكر والمبادئ والتوجهات، وهم ينساقون عادة للأسلوب الجذاب الذي تنتهجه الجماعات المنحرفة للترويج لعقائدها، كداعش والحوثيين، وحزب الله. وقد أشار إيريك هوفر في كتابه (المؤمن الصادق) إلى أن المحبطين هم غالبية الأتباع الجدد للحركات الجماهيرية، وأنهم ينضمون إليها بإرادتهم الحرة، وهذا ما يجب أن نتنبّه له إذا أردنا أن نعالج جذر المشكلة بعيداً عن مظاهرها السطحية، وأن أي تهم تكال ضد التشدد الديني أو المناهج التعليمية هي شُبه فارغة؛ لأن الشباب الذين فجّروا في المساجد وقتلوا المسلمين في الشوارع كان لهم زملاء على مقاعد الدراسة، قدّموا صوراً مشرقة حين ابتُعثوا لدول الغرب، فأنقذوا أطفالاً من الغرق، ورجالاً من الموت، ولم يؤذوا أحداً، أو يتعرضوا له؛ لأنهم يؤمنون بأن الإسلام لا يريد منهم هذا، ولا يخدمه أكثر من أن يكون الإنسان صالحاً في نفسه وقدوة حسنة للآخرين.

متعلقات