صحيفة سبق 54 مشاهدة

اطلعتُ على تفاصيل الخبر المنشور في "سبق" حيث "أعلن صندوق التنمية العقارية استكمال الإجراءات والمتطلبات كافة اللازمة من طرفه لتفعيل برنامج القرض المعجَّل وإطلاقه، بعد الحصول على تصريح مؤسسة النقد للبنوك بالموافقة عليه، الذي يُتوقَّع صدوره قريباً. ويستعد الصندوق العقاري للتوقيع مع البنوك الفائزة البالغ عددها ٨ بنوك، وإعلانها خلال الأسبوعَيْن المقبلَيْن إن شاء الله".

وكان الصندوق قد أعلن تفاصيل القرض المعجَّل مشيراً إلى أنه يتم تمويله للمواطن الذي على قائمة انتظار القرض بالصندوق، ويرغب في الاستعجال بالحصول على قرض لبناء أو شراء وحدة سكنية، والخروج من قائمة الانتظار لقرض الصندوق. وتبلغ قيمة القرض (٥٠٠ ألف ريال)، تقدَّم على صيغة المرابحة فقط، وتتمثل في نسبة ربح ثابتة طيلة مدة القرض.

وفي الحقيقة، ما لفت نظري في الخبر هو القسط الشهري المحدد للفئة الأولى من المقترضين، ومدة السداد. وهذه الفئة هي التي تقع رواتبها دون الخمسة عشر ألف ريال، وحُدد لها مدة سداد بلغت خمس عشرة سنة، ويتم السداد بقسط شهري، يبلغ ألفين وسبعمائة وسبعة وسبعين ريالاً. وأعتقد أن تحديد القسط لم يُدرس بشكل جيد، بل أجد في ذلك مشقة على هذه الفئة؛ لأن هذه الفئة سوف تشمل أيضاً مَنْ رواتبهم لا تتعدى خمسة آلاف ريال، فكيف سيفي بالتزاماته ومصروفاته الحياتية، وعليه قسط مجحف بهذا الحجم؟ فضلاً عن هامش الربح التنافسي الذي تم الاتفاق عليه مع البنوك، والذي يقل عن اثنين في المائة؛ إذ سيقوم الصندوق بسداده عن المواطن للبنك خلال فترة سداد القرض، على أن يقوم المقترض بعد استكمال سداد أصل القرض للبنك بسداد أرباح القرض للصندوق على شكل أقساط شهرية متساوية خلال مدة ٥ سنوات، بمعنى أن المدة امتدت لعشرين سنة على المقترض، يقضيها في سداد ديون.

هل تناسى الصندوق أن الموظف الذي يقع ضمن الفئة الأولى لا يصل راتبه لخمسة عشر ألف ريال إلا بعد أن يمضي في الخدمة ما يقرب العشرين عاماً إن لم يزد؟ وهو بذلك يجابه مصاريف أبناء قد كبروا، وأصبح بعضهم في المرحلة الثانوية، وربما الجامعية؛ ولهم من الطلبات والمصاريف ما الله به عليم، فضلاً عن المصاريف الأخرى، مثل تأمين السيارات الذي أصبحت له بورصة متصاعدة بشكل يومي، إضافة إلى مصاريف العلاج المرهقة في المستشفيات الخاصة، بعد تأخر إقرار نظام التأمين الصحي من قِبل وزارة الصحة، الذي طال انتظاره.. والقائمة تطول. وماذا عن المتقاعدين الذين لم يتطرق لهم القرض المعجَّل، سواء من المدنيين أو العسكريين؟ ولا ننسَ أن العسكريين عند تقاعدهم تُرفع عنهم البدلات، ومن ثم يواجه معظمهم رواتب زهيدة، لا تكاد تكفي للمصروفات اليومية المعتادة، فضلاً عن كونها ستغطي تمويل قرض لشراء مسكن؟ وماذا عن الأرامل اللواتي فقدن عائلهن، ولم يترك لهن أزواجهن المتوفون مساكن مملوكة؟ وكذلك المطلقات ممن يعلن أطفالاً، وليس لهن وظائف؟ فمعظمهن يتسولن الإيجار للمسكن، وبعضهن يعشن في أربطة.. وهؤلاء بحاجة ماسة لتأمين سكن لهن، سواء تمليكاً أو إيجاراً، وعلى حساب الدولة في الحال، ورفع مستوى الدخل، أو دفع رواتب ثابتة، تعيلهن ومَنْ يعلن، وتكفيهن ذل السؤال. ومع وجود الضمان الاجتماعي لبعضهن فقد ثبت عدم وفائه بالتزامات المستحقين له، في ظل غياب مساهمة باقي مؤسسات المجتمع، وعلى رأسها البنوك، بل تهربها من المسؤولية تجاه المحتاجين من أبناء المجتمع. وللعلم، ولمحدودية المساحة، فأنا لم أستعرض كل ما يمكن أن يجعل من هذا القرض المعجَّل كابوساً مؤجلاً سوف يُثقل كاهل المواطن بدلاً من أن يخفف عنه وطأة الانتظار.

وأنا لم أتجاهل الفئات الأخرى لنظام القرض المعجَّل، رغم أنها لا تقل بؤساً عما تناولت، ولكن يهمني في المقام الأول الفئة الأولى؛ لأن هناك الكثيرين ممن يدخل في هذه الشريحة، وما زالوا يرزحون تحت وطأة الإيجارات للشقق أو الفلل، والفرص أمامهم لامتلاك منزل عن طريق البنوك أصبحت شبه معدومة، وخصوصاً بعد إقرار نظام دفع 30 % مقدماً من قيمة العقار؛ ما جعل الأمر شبه مستحيل إلا بمعجزة.

تُرى، لماذا يتم التعامل مع البنوك بهذه المثالية والحنية، في الوقت الذي تمارس فيه البنوك شتى صور الكسب المبالغ فيه والمرهق للمواطن، وبشروط قاسية في حق المواطن فيما لو اقترض منها أو حصل على تمويل عقاري، فضلاً عن تكبيله بشروط لا طاقة له بها، في الوقت الذي يحظى فيه البنك بكل المزايا وضمان الحقوق؟

إن تجربة البنوك في المملكة العربية السعودية ليست بالقصيرة، ومع ذلك نجد مساهمتها في تنمية المجتمع ودفع عجلة التنمية وتشجيع الاستثمارات شبه معدومة، بل إن مساهمتها في مجال المسؤولية الاجتماعية لا تُذكر.

 وهناك تجاهل ملموس من قِبل البنوك لكل أوجه المساهمة في أعمال البر ودعم مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، وكل جهودها منصبة على تحقيق المكاسب المادية الذاتية فحسب.

وبناءً على ما تقدم، أجد من الضروري إعادة النظر في حسابات الأقساط والمدد اللازمة للسداد لذوي الدخل المحدود، ممن تشملهم الفئة الأولى، بل إنني أرى أن تمنح لهم المنازل مقابل مبالغ رمزية، لا تتجاوز ربع قيمة المنزل الفعلية، ويتولى الصندوق وضع الأسس المنظمة لمثل هذا الإجراء، وتُلزم البنوك بالمساهمة في هذا المشروع الخيِّر، عوضاً عن وقوفها متفرجة، كما هو حالها من قبل؛ فالوطن وطن الجميع، والخير يجب أن يعم الجميع.. والله من وراء القصد.

متعلقات