صحيفة تغطيات 56 مشاهدة

الكاتب / عبدالمحسن أحمد آل لافي

Instagram:  A.LafiSnapchat:  A_Lafi————————————————

   في صيف ٢٠١٠م. ودَّعنا أوراق الاختبارات، وفارقنا جدران المدرسة، نحو أفضل ثلاثة شهور في السنة لنا نحن الطلاب.

لم تكن هناك خطط طويلة لسَّفر، إلَّا أننا كُنا نفكر بزيارة أختي في دولة كوريا الجنوبية، لأن زوجها يعمل هناك في ذلك الوقت. رغم طول وقت الطيران (عشرة ساعات)، لمجرد الزيارة لا أكثر ذهبنا، تم إخبارنا بأنه ليس هناك شيء مدهش لنراه، لذلك ‪ ينبغي علينا ألَّا نتوقع الكثير. جلسنا هناك قرابة الشهر، وقبل انتهاء فترة بقاءنا اتجهنا للدولة التي كُنا ننتظر منها الكثير بسبب سمعتها العالية، دولة اليابان وبالتحديد مدينة طوكيو لمدة ثلاثة أيام وعدنا. المفاجأة إنه وبعد انتهاء رحلتنا بالكامل، وعودتنا للسعودية كانت كوريا هي البلد الأفضل لي والزيارة التي لا تنسى. بعد خمسة أعوام، ورغم زيارتي للكثير من الدول إلَّا  أنه  ما زالت كوريا متصدرة، إلى الآن أعد تلك الرحلة الأفضل على الإطلاق. ليس بالتأكيد بسبب طعامهم الذي لا ينافس لذة مذاق البرجر بمطعم “IN-N-OUT” في الولايات المتحدة، أو حتى أماكنهم السياحية التي لا تنافس متراً من شارع “الشانزليزيه” في فرنسا، أو أماكنهم التراثية التاريخية التي لا تنافس عاموداً يتوسط مسجد آيا صوفيا في دولة التراث والتاريخ العظيم تركيا. ولكن.. كان لدى شعبهم صفة كفيلة لتنسيك كل ما ذكرت، وتجعل بلدهم استثنائياً، وهي الاحترام!. بالنسبة لي، شعبهم كان الألطف بين بقية شعوب البلاد التي زرتها في حياتي. فكيف يبقى في ذهنك مذاق البرجر الأمريكي ذو الجبن السائح، وعندما تعود لوطنك تأتيك شرطية في المطار تعاملك بطريقة دونية وتشعرك بأنك أحمق، تفتش حقيبتك التي ستحملها معك للطائرة فتجد عطر وغسول للشعر يتجاوز الحجم المسموح للسوائل التي تمر من تفتيش الذهاب لمنطقة البوابات، لتسألك ” هل تريد أن تذهب لتشحنها أم أرميها؟”، تفكر قليلاً ثم تقول لها “أرميها” لأن الأمر لا يستحق الوقت والجهد والمال الذي ستستغرقه لتستطيع شحنها، بعد ذلك تكتشف بأن هناك كيساً آخر مليء بالسوائل التي يتجاوز وزنها الـ ١٠٠مل، لتسألك نفس السؤال فتقول هذه المرة “أريدها!، ولكن هل يمكنني الحصول أيضاً على العطر وغسول الشعر؟”، فتقول لك “لا!” وبصرامة وبدون السماع لرغبتك ومناقشتك، توجهك سريعاً لاتجاه الخروج من التفتيش لتغير رأيك بعدما تذكرت إنك شحنت حقيبتك بالأصل، فهل تستحق أي دوامه ستدخلها لمجرد شحن مجموعة سوائل؟.

تقول لها بأنك تراجعت ولكن لا تريد الشرطية سماعك، تشير باتجاه المخرج وتودعك بوقاحة، ثم تشاهدها تحكي القصة وتضحك مع بعض زملائها. لا يمكنك هنا سوى الدعاء عليها وكتابة مقال عن الموضوع كما أفعل الآن  تتجه ل “كاونتر” الطيران، تفكر مجدداً.. هل أرمي الكيس أم لا؟. ولم يمكن بوسعك إلا رميه، والصعود مرة أخرى للوقوف في الطابور الطويل والممل جداً لما قبل التفتيش. كيف تبقى متعة المشي في “الشانزليزيه”، وأنت تعلم بأن أموالك ستطير كلها هنا، ليس بسبب القمار، بل بسبب أسعار المطاعم وماركات الملابس التي إذا ما شبهتها ببرج، لكان برج خليفة بالتأكيد في ارتفاعها. نعود لقضيتنا، الفرنسيون هناك لا يريدون الحديث معك إذا ما تحدثت معهم باللغة الإنجليزية وإن فهم ما تقول. يريدون المجد للغتهم، ونسوا المجد لوطنهم! ربما لأن دولتهم لديها إرث قديم. كيف تبقى كامل متعة زيارة أفضل منطقة تراثية تاريخية في اسطنبول، وعند رغبتك بالرجوع منها لفندقك مثلاً، تدعي كثيراً الله سبحانه بأن تصادف “تاكسي” طبيعي تركب فيه. لا يطلب منك سعر معين، أو لا يقبل إيصالك بسبب الزحمة، أو حتى يشترط في عدد الركاب وإن لم تتفق معه ينزل من السيارة ليمنعك من ركوب سيارة أجرة أخرى فتضطر للبحث في جهة مختلفة. بعدما تجد أخيراً  “تاكسي” يسمح لك صاحبه بالركوب معه، تتمنى بأن لا يكون من محبين السفر بالسيارة، والطرق الطويلة الخاطئة لإيصالك بهدف زيادة تكلفة المشوار.

كما أنك تتمنى بأنه ليس من معتزلي عروض خفة اليد، لتقع في أحد ألاعيبه التي من خلالها يوهمك بأنك لم تعطه المبلغ، أو كامل المبلغ لتعطيه المزيد من المال. عزيزي القارئ، إن ذهبت إلى اسطنبول وركبت “تاكسي” طبيعي لم يجعلك تمر بما ذكرت، لا تنسى توثيق اللحظة وإن كانت بتدوين الحدث التاريخي بدفتر، وكذلك إعطاء السائق “بقشيش”، لأن ما حدث نادر جداً، وكما يقول فارس عوض “هذا لا يحدث كل يوم!”. شكراً لشركة “أرامكو”، التي اختارت لزوج أختي العمل في أحد المشاريع الموجودة في كوريا، وبالتحديد مدينة “سيول” (العاصمة)، لأنها كانت تجربة خيالية بكل تفاصيلها، أبرز عناوينها شعب رائع لا مثيل له، جعلوا من طعامهم العادي في تركيب ألسنتنا لذيذ جداً، ومن أماكنهم السياحية الحلوة في أعيننا قمة في الجمال، ومن مناطقهم التراثية التاريخية فائدة ومتعة غير طبيعية في أذهاننا. شكراً لكم أيها الشعب الراقي، مهما كتبت عنكم لن أكتفي. فرغم انضباطهم الشديد بالأنظمة وحبهم لتحقيق الإنجازات، لم ينسوا إنسانيتهم في أحد الحفر الكبيرة، بل جعلوها عنواناً لهم. فهم يحاولون فهمك ولو بالإشارة.

متعلقات