صحيفة سبق 19 مشاهدة

ربما لم تلقَ كلمة قيلت في مؤتمر صحفي من الاهتمام والتفاعل كتلك التي أطلقها معالي وزير الإسكان، ومفادها أن "مشكلة الإسكان هي مشكلة فكر".. إلخ.

وأنا لا أجد فيما ذهب إليه الوزير ما يجعل مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل غضباً بهذا الشكل، وتتناقلها الإذاعات بهذا الإسهاب والتندر؛ وذلك لسبب بسيط، هو أن الرجل أصاب كبد الحقيقة بمقولته تلك. ودعوني أفصِّل في الأمر:

فلو لم تكن مشكلتنا مشكلة فكر لما تفرغ الوزير للمؤتمرات الصحفية المستفزة، وترك الأرامل والأيتام والمعاقين والمطلقات وذوي الدخول المنخفضة يواجهون لفحات دخول الشتاء، بعدما ذاقوا كيات الصيف في عملية أشبه بالموت البطيء. ولا يحتاج الأمر إلى أدلة؛ فيكفي تصفح الشبكة المعلوماتية أو الصحف اليومية؛ ففيها الجواب الشافي. وكم من أرملة تعيل أسرة بكاملها، وتملك من التقارير ما يفيد بأنها تقطن فيما أطلق عليه مجازاً "بيت"، وقد يسقط في أية لحظة على من فيه، وغيرهم كثير.

نعم، إنها أزمة فكر أن تكون هناك وزارة قائمة بتشكيلاتها الإدارية، وموظفيها وصلاحياتها، وتقف عاجزة عن إحاطة الرأي العام بقوائم الفئات صاحبة الأولوية التي تطرقت لها أعلاه.

نعم، لو لم تكن أزمتنا أزمة فكر مستعصية لما عجزت وزارة الإسكان عن الوصول لمساحات مناسبة في دولة مساحتها تقارب مساحة قارة، وتحويلها إلى مناطق سكنية بكل يسر وسهولة. وما زلت أتذكر رحلتي في العودة من الدمام بالقطار، وعلى مدار أربع ساعات.. مساحات شاسعة بالكيلومترات، يخترقها الطريق، وتمر بمدن رئيسة، ومع ذلك تُركت مخزناً للنفايات وأكوام الحديد الخردة!

ولو لم تكن أزمتنا أزمة فكر لما تجاهلنا بيوت الخبرة العالمية التي بالإمكان الاستعانة بها لوضع أنسب الحلول بدلاً من التخبط واعتماد منهج التعلُّم بالخطأ والتجربة، الذي لم يقد الوزارة إلا للمزيد من التخبط. ويكفي الوزارة أن تقتدي بمشاريع الإسكان القديمة التي نُفذت في مدن المملكة الرئيسة (الرياض، جدة والدمام) في نهاية التسعينيات الهجرية، وهي من حيث الجودة والمتانة ودقة الإنشاء على مستوى رفيع. وما يمز تلك المشاريع أنها تمت وانتهت بهدوء، ووُزعت بهدوء، واستفاد منها المواطنون وغيرهم. ويكفي أن مشروع الرياض يحوي وحده ثلاثة آلاف شقة. وقس على ذلك في باقي المدن الأخرى. وهو متميز من حيث التصميم وأعمال السباكة والكهرباء. وهذا غير مشاريع الإسكان من الفلل في تلك الفترة، وهي لا تقل تميزاً وجودة.

ولو لم تكن أزمتنا أزمة فكر لاستفادت وزارة الإسكان من جميع المشاريع التي نفذتها - وما زالت تنفذها - قطاعاتنا العسكرية لمنسوبيها؛ إذ تضم الآلاف من السكان، وتتمتع بكامل المرافق، بما في ذلك المدارس، والأسواق والمراكز الصحية.. فهي أشبه بالمدن الصغيرة. وكلها تم الانتهاء منها في وقت قياسي.

وإن أردت المزيد من أزمات الفكر فهناك ما تعاني منه شريحة كبيرة من المواطنين، ممن التزموا بتمويلات عقارية من البنوك التجارية لشراء أراضٍ سكنية للبناء عليها متى ما أُعلنت أسماؤهم ضمن المستفيدين من قرض صندوق التنمية العقارية البالغ خمسمائة ألف ريال، وبذلك قاموا برهن صك الأرض لدى البنك التجاري؛ ليُصدموا حين أُعلنت أسماؤهم عبر صندوق التنمية العقارية بأن عليهم أن يسددوا قيمة الأرض المرهونة لدى البنك أولاً؛ لكي يستفيدوا قرض صندوق التنمية العقارية، على مرأى ومسمع من وزارة الإسكان والصندوق، اللذين لم يحرِّكا ساكناً من حينه تجاه إلزام البنوك بتمكين المواطن من البناء على أرضه طالما أنها مرهونة، والبنك مستمر في الاستقطاع من راتب المواطن المحول عليه، إلى حين استيفاء استحقاقات البنك والصندوق معاً بدلاً من التعطيل والانتظار لسنوات بدون فائدة تُذكر! فأين إمعان الفكر من هذه القضية؟ وعلى الجانب الآخر، هناك الكثير من المنح السكنية التي لم تصلها الخدمات أو ترصف "تسفلت" شوارعها؛ ما يتعذر معه الاستفادة من قرض الصندوق، وهي ما يجب أن تكون على جدول أولويات وزارة الإسكان، ومن أشهرها وأقدمها مخطط شرق الرياض على طريق رماح.

يجب على وزارة الإسكان أن تبحث عن البدائل؛ فالعالم كله الآن يميل للبناء بنظام المباني المسبقة الصنع؛ فهذه ثبتت كفاءتها، وفي الوقت نفسه سرعة إنجازها في شهور معدودة. ولنا أن نعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية تطبق هذا النوع من البناء منذ عشرات السنين، وثبت نجاحه. وهناك العديد من المؤسسات المحلية التي تتبنى هذا النوع من البناء، وبعضها متخصص في ذلك. وجميع من درس أو عاش هناك يعرف هذا الشيء. وهي مقاومة لعوامل الزمن، وسهلة التعديل، وعملية إلى أقصى حد.. فلماذا نحصر أنفسنا في نوع واحد من البناء، هو البناء التقليدي الذي يستنزف المال والوقت، ويصعب معه إجراء أي تعديل عليه؟!

نعم، إننا بحاجة إلى إعمال الفكر للخلاص من هذه المتاهة التي سُميت بأزمة السكن. وهذا الفكر يجب أن يقوم على علم الإحصاء لا التخمين، ويجب أن يرتب أوليات أجندته للمحتاجين فعلاً، الذين لا تعنيهم أروقة المبنى بقدر ما يعنيهم الاستقرار في بيت لائق، يحميهم من سوط الإيجار ومطالبات صاحب الملك.

إنه حُلم بالنسبة لي أن لا أرى أي أرملة أو مطلّقة تعيل أسرة أو معاقاً يكابد الأمرين، يعاني بسبب الإسكان، أو العلاج، أو الأكل، أو التنقل.. وعليه فإن الفكر المتألق يقود إلى عمل حصر سريع للحالات الحرجة والملحة، ومن ثم استئجار وحدات سكنية مؤقتة لإيوائهم إلى حين تسليمهم وحداتهم السكنية الملك. وبدون ذلك سنظل نجلد الذات يوماً بعد يوم، وهو ما يتعارض جملة وتفصيلاً مع الفكر المستنير. وبالله التوفيق.

متعلقات