صحيفة سبق 14 مشاهدة

الحُكْم على الشيء فرعٌ من تصوره؛ فلا يمكن أن نحكم على شيء حكماً عادلاً ما لم نتصوره تصوُّراً كاملاً، ونعرفه معرفة تامة، ونحيط به من جميع جوانبه؛ فليس من العدل والإنصاف الحكم قبل التثبت والإلمام بالموضوع كاملاً.. امتثالاً لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}  "(6) الحجرات".

 لذا يجب علينا أن نعطي عقولنا فرصة لتقودنا، ولا نكون ممن "طار" خلف غبار الركب ولا يدري إلى أين هم سائرون..!! تقوده عاطفته المتخمة بتراكمات الهموم والأحزان.. والمترعة بعذابات الديون والأشجان محاولاً تفريغ بعضها، ورمي البعض الآخر عن كاهله المتعب على مر الزمان.

 لذلك تجده يركب أول موجة تتلاطم، ويطير مع أبسط عاصفة تهب.. وكأنه ينتظرها متلهفاً مشتاقاً.

 وهنا.. يتساءل العقل حائراً: أليس من الأولى بهؤلاء أن يتثبتوا ويتبيَّنوا قبل الحُكم؟!!

ألا يمكن للناس أن يعطوا لأنفسهم الفرصة بأن يدرسوا الموضوع من كل جوانبه قبل أن يحكموا؟!!

ألا يمكن لهم أن يسمعوا من كل أطراف القضية؟!!

 ألا يمكن أن يكون ناقل الخبر ناقماً.. باحثاً عن الإثارة.. باحثاً عن الفتنة..؟!!

ألا يمكن أن يكون الخبر المنقول ناقصاً..؟!!

ألا يمكن أن يكون لهذا الخبر بقية، لو سمعتها لغيرت الحُكم تماماً..؟!!

 لذلك كله يجب علينا أيها الإخوة الأعزاء أن نعطي لأنفسنا الفرصة بمعرفة جوانب القضية كلها قبل الحكم عليها؛ لأننا قد نظلم صاحبها بسماعنا جزءاً مبتسراً منها دون أن نكلف أنفسنا بسماعها كاملة.. ومن ثم إصدار حكم يكون مبنياً على وقائع كاملة مثبتاً بالدليل والبرهان.

وما كلمة وزير الإسكان وما صاحبها من ردود فعل متباينة إلا خير دليل على ما أقول..!!

 فما إن انتشر مقطعاً لوزير الإسكان يتحدث فيه عن فكر الإسكان إلا وضجت وسائل التواصل الاجتماعي منددة بهذا الفكر..!! متهكمة على ما قيل..!! حانقة على الوزير..!! ساخرة من فكرته..!!

وأنشؤوا "الوسم" تلو "الوسم".. حتى أصبح وزير الإسكان حديث المجتمع.. وموضوع المجالس.. ووقود التواصل الاجتماعي..!! وشنوا حملة واسعة للتندر بفكر الإسكان.. مع العلم بأنني أكاد أجزم لو أن الكثير منهم سمع كلمته كاملة لغيَّر رأيه، أو على الأقل خفّت حدة تهكمه وسخريته.. ولكنهم حكموا على مقطع قصير، لا يتجاوز الدقيقتين، اقتُطِع من كلمته على شاكلة {... لا تقربوا الصلاة...}.

أليس من الأولى أن يسمعوا الكلمة كاملة ثم يحكموا؟!! ألا يعتبر ذلك ظلماً لهذا الإنسان؟!!

 صحيح.. أن معالي الوزير ذهب بعيداً في قضية الفكر، وركّز عليها تركيزاً شديداً مصوِّراً إياها بأنها هي المشكلة الوحيدة لأزمة ملايين المواطنين سكنياً.. وأنه بحلها قد حُلّت أزمة دامت عشرات السنين..!! متناسياً أو متجاهلاً الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة التي عصفت بأحلام الكثير من شبابنا!

صحيح.. أنه لم يعرّج على أسعار الأراضي والسُعار الذي أصابها..!!

صحيح.. أنه لم يذكر أن سعر الأرض السكنية التي تقبع في منطقة يجاورك فيها "الضب" قد وصل لما يوازي بناء منزلين..!!

صحيح.. أنه لم يأتِ على ذكر الأسباب الحقيقية التي جعلت من المسكن حلماً أشبه بالمستحيل..!!

صحيح.. أنه لم يذكر "تجار التراب" وما أوصلونا إليه من مآسٍ بسبب جشعهم وتحكمهم بأفئدة الشباب التي تحترق كمداً على عمر ولّى بالتنقل والترحال من "جحر ضب فاخر للإيجار" إلى آخر..!!

صحيح.. أنه.. وأنه.. وأنه..!!

ولكن كل ذلك لا يجعلنا نغمطه حقه، ونختزل كلمته في مقطع من دقيقتين، اقتطعهما أحد محترفي قلب الحقائق؛ ليؤلب المجتمع عليه.. ونجرده من أشياء كثيرة.. بل نجعله حديث الساعة.

نسلط عليه سنان ألسنتنا.. ونشرع في وجه فكره مرهفات مدادنا..!!

 فعلى رِسلكم يا قوم.. لم يكن كلام الرجل إلى هذا الحد بعيداً عن المنطق.. فكثير من كلامه يلامس جزءاً من الحقيقة.. ويبحث في مشكلة تسببت لنا في الغالبية العظمى من مشاكلنا.. ألا إنها الوعي.. ألا إنها الفكر.. فنحن نفتقر في كثير من أمورنا إلى الوعي وإلى الفكر النيّر..!! نعم، نفتقر إلى جزء كبير من الفكر السكني..!! ولكنه ليس كل أسباب أزمتنا كما ذكرت.. ولكن أسبابها تجار تراب حولوه إلى ذهب بجشعهم.. فحولهم إلى "هوامير"، لا يردعهم دين ولا ضمير.. ولا يرون بائساً ولا فقيراً.. ولا يقف أمامهم لا غفير ولا.. وزير..!!

وبين.. فكر.. وتفكير.. وخبزة.. وحصير..!! يبقى السؤال الأخير: هَلْ ظُلِمَ الوَزِيْرُ..؟!! دمتم.. بخير.

متعلقات