جريدة مكة الإخبارية 21 مشاهدة

مر التعليم التقني خلال أكثر من ثلاثة عقود بعدة تحولات، متأثرا بمتغيرات اجتماعية وتنموية. توفرت للمؤسسة العامة للتدريب التقني خلال أكثر من عشر سنوات فرص وإمكانيات كغيرها من المؤسسات الحكومية. مرور الزمن كشف أن كثيرا من الجهود لم تكن موفقة في رفع مستوى التأهيل على مستوى الكليات التقنية، وتحول التدريب التقني.. إلى ساحة تجريب تقني مستمر. لم يعد السؤال الآن هو عن الفشل.. وإنما كيف نقيمه بصورة متزنة ووفق معايير منهجية.

مر التعليم التقني خلال أكثر من ثلاثة عقود بعدة تحولات، متأثرا بمتغيرات اجتماعية وتنموية. توفرت للمؤسسة العامة للتدريب التقني خلال أكثر من عشر سنوات فرص وإمكانيات كغيرها من المؤسسات الحكومية. مرور الزمن كشف أن كثيرا من الجهود لم تكن موفقة في رفع مستوى التأهيل على مستوى الكليات التقنية، وتحول التدريب التقني.. إلى ساحة تجريب تقني مستمر. لم يعد السؤال الآن هو عن الفشل.. وإنما كيف نقيمه بصورة متزنة ووفق معايير منهجية.

تمكن الإشارة إلى نقطة تحول في مسار التجربة ظهر جزء منها صحفيا عام 2003 بعنوان «فاقد الشيء لا يعطيه.. مؤسسة التعليم الفني و100 ألف متدرب جديد!!» الدكتور أحمد بن محمد العيسى (11/11/2003) وأشار فيه إلى أنه «تم تغيير مناهج الكليات التقنية بأسلوب بهلواني لم يتبع الأساليب الصحيحة في التطوير ولكنه اتبع أسلوب المناورات وفرض الأمر الواقع على الكليات بعد إلغاء مرجعيتها في المؤسسة...» بعد أسبوع في 18/11/2003 يرد المحافظ عليه في الجريدة نفسها. اليوم بعد 12 عاما، وهي تبدو مدة كافية لتقييم أي تجربة، من خلال النتائج الحقيقية التي هي أقوى من التصاريح الإعلامية. من الصعب تلخيص الصورة حول ملف متضخم بتعقيدات وتفاصيل من الارتباك الطويل. ربما يساعدنا على رؤية المشهد عرض جزء من العناوين عن المؤسسة في صحافتنا خلال عشر سنوات:

«المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني عثرة في طريق الإصلاح - 2004» /‏ «المؤسسة العامة للتعليم الفني والمهني.. وحقائق لأصحاب الضمائر 2004» /‏ «فشل المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني» /‏ («التقني» لـ«الشورى»: خططنا «التوسعية».. نحو الفشل....) /‏ «المؤسسة العامة للتدريب التقني.. رسالتها غامضة ومناهجها عتيقة 2010» /‏ «منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني في المملكة.. الخلل والحل 2011» /‏ «مخرجات التعليم التقني.. (الثقة مفقودة) من القطاع الخاص! 2011» /‏ «57 % إنفاق على التنمية البشرية والعائد 7 % فقط. إنشاء جهة محايدة لإزالة الخلل في التدريب 2011» /‏ «ضحايا مؤسسة التدريب! – 2013» /‏ «التدريب التقني والمهني.. و(فن التّخبط الاستراتيجي) 2013» /‏ «الشورى لـ(التدريب التقني): فكوا الطلاسم.. وتوقفوا عن افتتاح كليات (التميز)! 2014» /‏ «إصلاح التعليم العالي والتدريب المهني والتقني 2014» /‏ «هل ينجح بليون دولار في تطوير التعليم الفني 2014» /‏ «الشورى يطالب (التدريب التقني) بمعالجة تسرب طلابه 2014» /‏ «مكمن الخلل في (التدريب التقني) 2014» /‏ «نزاهة» تتقصى شبهة فساد بـ«كليات التميز» 2014 /‏ «فشل 53 كلية يدفع (التقني) لـ(التشغيل الذاتي 2014» /‏ «نعم.. الجامعات التقنيّة هي الحل! – 2014» /‏ «عضو يؤكد أن أكثر من 11 ألف عاطل من خريجيها في قائمة (حافز) - شوريَّون ينتقدون أداء (التدريب التقني) ويؤيدون (التريث) في افتتاح كليات التميز 2014» /‏ «ضعف دور المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بمعالجة البطالة 2015» /‏ «التدريب التقني يعاني من أزمة إعلاميّة تتطلب تغييرات جذريّة 2015».. وغيرها من العناوين التي تناقش الملامح الظاهرية للنتائج، أما التفاصيل الداخلية فليس هنا مكانها.

وبالرغم من كثرة النقد الصحفي العام والتقييم الانطباعي الشعبي، وموقف سوق العمل والذي فشلت فيه المؤسسة من تحسينه.. فإن هذا النقد هو أيضا نقد عشوائي غير مدرك لطبيعة الإشكالية وغير موضوعي، ولهذا تكثر الكليشيهات النقدية المكررة في مجلس الشورى والصحافة وغيرها، من خلال ترديد جمل معلبة، حول حكاية متطلبات سوق العمل والبطالة ومخرجات التدريب.. وهو كلام عام يصلح للمؤتمرات والندوات ولا يحدد حقيقة الإشكال والفجوة. المؤسسة اندفعت بتطرف مع هذا الكلام الشعاراتي، وكأنها تريد اختراع العجلة، فالتخصصات التقنية والهندسية في كل الدول المتقدمة تقنيا وعلميا واحدة ومتشابهة، وليست بحاجة إلى اجتهادات خاصة، أو مغازلة لسوق العمل ومزاجية رجال الأعمال. ففي المجال الهندسي والتقني.. لا يوجد خريج لكل آلة وجهاز محدد، ليكون جاهز مباشرة 100%.. فهذا تسطيح للواقع وللتعليم ولسوق العمل، فهناك عدد لا يمكن حصره من المهام والمهارات الفرعية.. وإنما دور الكليات التقنية أن تجهز متدربا لديه المعرفة والمهارة الكافية لسرعة تكيفه مع أي عمل قريب من تخصصه مستقبلا.

حدث ما يشبه الفوبيا ضد مسمى تعليمي أو أكاديمي والغرام بكلمة (تدريب) وكأنها تعويذة لحل مشكلة الهوية المفقودة. تغيير الألفاظ لا يغير حقيقة الواقع ومتطلباته. التوهم بأن هناك تدريبا تقنيا بلا محتوى نظري علمي حتى لو كان تدريبا لمدة أسبوع أو شهر فكيف بكليات تخرج مؤهل دبلوم أو بكالوريوس. أهم ما تتطلبه هذه المرحلة التخفيف من الارتجال والقرارات المتسرعة، والتركيز على كيفية تقوية المخرجات ومعالجة الخلل تدريجيا. هذا لن يحدث عبر التمسك بالشكليات الإدارية التي توهم بالانضباط أمام الآخرين وهي تنخر بأسس العملية التعليمية.

تعاني الكثير من مؤسساتنا التعليمية من تحولات العصر في التعليم العام والعالي، لكن معاناة المؤسسة من نوع مختلف.. بدأ يربك التصورات العامة حول مكانها ودورها في المجتمع وتحولاته التنموية، ولهذا مقالات أخرى.

متعلقات