جريدة مكة الإخبارية 8 مشاهدة

وما زال الحديث موصولاً عن النبي عليه الصلاة والسلام.. وبعد الصلاة على النبي الأمين، أقول وبالله التوفيق:

وما زال الحديث موصولاً عن النبي عليه الصلاة والسلام.. وبعد الصلاة على النبي الأمين، أقول وبالله التوفيق:

كنت قد ختمت الحديث في المقال السابق عن المولد النبوي الشريف بالبيت النبوي في مكة المكرمة قبل الهجرة، والذي كان يتألف منه صلوات ربي وسلامه عليه ومن أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وهى أول من تزوجها ولها من الأعوام أربعون، وله من العمر خمسةٌ وعشرون عاماً. وكانت أمّاً لكل أولاده وبناته (ما عدا إبراهيم من مارية القبطية – والتي أهداه إياها ملك مصر المقوقس). وأنجبت السيدة خديجة أبناءً لحكمة الخالق لم يعش منهم أحد.. أما البنات فكن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. أما زينب فتزوجها قبل الهجرة ابن خالتها أبوالعاص بن الربيع، وأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان رضى الله عنه الواحدة بعد الأخرى، أما فاطمة فتزوجها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومنها كان الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهم أجمعين.

ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ممتازاً عن أمته بحل الزواج بأكثرِ من أربع زوجات لأغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاث عشرة امرأة، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، إحداهما السيدة خديجة، والأخرى أم المساكين زينب بنت خزيمة.. واثنتان لم يدخل بهما.

ومن نظر إلى حياة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عرف جيداً أن زواجه من هذا العدد من النساء في أواخر عمره الشريف، بعد أن قضى ما يقارب الثلاثين عاماً من ريعان شبابه، وأحلى أيام العمر مقتصراً على زوجته السيدة خديجة.. من يتأمل هذا يعرف أن زواجه عليه الصلاة والسلام بهذا العدد، لم يكن لأنه وجد بغتةً في نفسه قوة عارمة، لا يقدر معها على الصبر إلا بمثل هذا العدد من النساء، بل كانت هناك أغراضٌ أخرى أجلّ وأعظم من الأغراض التي يحققها الزواج عامةً.

فاتجاه الرسول الكريم إلى مصاهرة أبي بكر وعمر بزواجه بعائشة وحفصة، وكذلك تزويجه ابنته فاطمة بعلي بن أبي طالب، وتزويجه ابنتيه رقية ثم أم كلثوم بعثمان بن عفان، يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة، الذين كانوا عماد المرحلة التي تلت رسول الله بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

وكان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة، فقد كان الصهر عندهم باباً من أبواب الترابط بين البطون المختلفة، وكانوا يرون مناوأة الأصهار سبّة وعارا. فأراد الرسول عليه الصلاة والسلام بزواج عدةٍ من أمهات المؤمنين أن يكسر حدة عداء القبائل للإسلام ويطفئ نار بغضائها.

كانت أم سلمة من بني مخزوم – من حي أبي جهل وخالد بن الوليد، فلما تزوجها عليه الصلاة والسلام، لم يقف خالد بن الوليد من المسلمين بعد أُحُد.. إلّا مدةً غير طويلة ثم أسلم طائعاً راغباً، وكذلك أبو سفيان لم يواجه النبي عليه الصلاة والسلام بأي محاربةٍ بعد زواجه بابنته أم حبيبة. وكذلك لم نر من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء بعد زواجه عليه الصلاة والسلام بجويرية وصفية بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل، وكانت من سبي خيبر، فأعتقها الرسول وتزوجها بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة.

وكذلك كانت جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة، كانت في سبي.. وكانت رضى الله عنها من أعظم النساء بركةً على قومها.. فقد أطلق الصحابة أسر مائةٍ من قومها حين تزوجها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقالوا: أصهار رسول الله، ولا يخفى على أحدٍ الأثرُ البالغ لهذا المنّ في النفوس.

ولعل من أكبر وأهمّ أغراض تعدد أزواجه صلى الله عليه وسلّم أنه كان مأموراً بتزكية وتثقيف قومٍ لم يكونوا يعرفون شيئاً من آداب الحضارة والمساهمة في بناء المجتمع وتعزيزه. فكان على النبي بأمر ربه أن يختار من النساء المختلفة الأعمار والمواهب ما يكفي ويفي بهذا الغرض، ليزكيهن ويربيهن ويعلمهن الشرائع والأحكام ويثقفهن بثقافة الإسلام حتى يعدّهن، لتربية البدويات والحضريات، فيكفين مؤونة التبليغ في النساء.

ولقد كان لأمهات المؤمنين فضلٌ كبيرٌ في نقل أحواله - عليه الصلاة والسلام – المنزلية للناس، خصوصاً من طالت حياتها منهن كالسيدة عائشة رضى الله عنها فإنها روت كثيراً من أفعاله وأقواله عليه الصلاة والسلام.

وكم من التقاليد المتأصلة الجازمة لا يمكن هدمها أو تعديلها لمجرد القول، بل لا بد لذلك من مقارنة فعل صاحب الدعوة بالقول. فكان على الرسول المشرّع أن يقرن قوله بفعلِه، ليتأسى به المسلمون في حدود ما هو مسموح لهم به.

ولقد كانت عشرتُه عليه الصلاة والسلام مع أمهات المؤمنين في غاية الشرف والنُبل والسُمو والجمال، كما كنّ رضى الله عنهن في أعلى درجات الشرف والقناعة والصبر والتواضع والقيام بحقوق الزواج. كيف لا يكنّ كذلك وهن أزواج المصطفى صلوات ربي وملائكته عليه وسلام الناس أجمعين.. وهو الذي يمتاز بكمال خَلقْه وجمال خُلُقِه بما لا يحيط بوصفه بيان.

وهو الذي فاضت القلوب بإجلاله، وتفانى أصحابه في محبته وإكباره، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين كانوا من حوله أحبوه لدرجة الهيام، ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر عليه الصلاة والسلام.

كان رسول الله الأمين مع كل ذلك، أشدّ الناس تواضعاً وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجلس في أصحابه كأحدهم.

وتقول السيدة عائشة رضى الله عنها: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته ويحلب شاته ويخدم نفسه.

إنها الدروس والعبر والقدوة المثلى التي يجب أن نضعها نصب أعيننا، ونحن نسعدُ بهذه الذكرى العطرة.. وبهذا الإرث العظيم من العمل وحسن الخلق.

(لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة)

ولقد كان أوفى الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقةً ورأفةً ورحمةً بالناس، أحسنُ الناس عِشرةً وأدباً، وأبسطُ الناس خُلقاً، وأبعدهم عن سوء الأخلاق.. كيف لا وهو القائل تواضعاً وفخراً: «إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق».

وما أحرانا اليوم، ونحن نرى صرح الأخلاقِ يتهاوى أن نعود إلى خُلق رسول الله وإلى رحمته التي بُعث بها رحمةً للعالمين.. نعم إن علينا أن نكون أحسن التابعين إذا كنا له بالفعل من العاشقين المحبين.

لو كان حبك صادقاً لأطعتَهُ

إن المُحبَّ لمن يُحبُّ مطيعٌ

متعلقات