جريدة مكة الإخبارية 8 مشاهدة

بعث إلي الصديق العزيز الأستاذ يوسف الصبحي مدير مكتبة مكة المكرمة - والمتخصص في المخطوطات العربية، وعلى وجه الخصوص المكية منها - برسالة رقمية على هاتفي، وهي رسالة تشرح معاناته الشديدة مع المخطوطات عموما.. هذه الرسالة يمسها الحزن ويلفها الألم وتعلوها الصبابة، ولا تخلو من طرافة فقد جمعت بين المأساة والملهاة، والأستاذ يوسف يدرك تماما المخطوط كقيمة ثقافية ومعرفية ولا يشعر بالصبابة إلا من يعانيها، وقد أكثر في رسالته من كلمة (يا فرحة ما تمت، عقب كل جملة من رسالته وتمنيت أن يضعها عنوانا لرسالته)، ولهذه الكلمة ألمها الشديد سوف نشعر به عندما يسترسل في رسالته.

بعث إلي الصديق العزيز الأستاذ يوسف الصبحي مدير مكتبة مكة المكرمة - والمتخصص في المخطوطات العربية، وعلى وجه الخصوص المكية منها - برسالة رقمية على هاتفي، وهي رسالة تشرح معاناته الشديدة مع المخطوطات عموما.. هذه الرسالة يمسها الحزن ويلفها الألم وتعلوها الصبابة، ولا تخلو من طرافة فقد جمعت بين المأساة والملهاة، والأستاذ يوسف يدرك تماما المخطوط كقيمة ثقافية ومعرفية ولا يشعر بالصبابة إلا من يعانيها، وقد أكثر في رسالته من كلمة (يا فرحة ما تمت، عقب كل جملة من رسالته وتمنيت أن يضعها عنوانا لرسالته)، ولهذه الكلمة ألمها الشديد سوف نشعر به عندما يسترسل في رسالته.

وسوف نرويها كما بعثها.. وتحكمون لماذا هي مأساة وملهاة، يقول أخي الحبيب في رسالته: (هناك مخطوطة ذكرت للإمام سيوطي عبارة عن ورقات عن كسوة الكعبة ولما تحصلت عليها بعد جهد وجدتها مستلة من الدر المنثور له ويا فرحة ما تمت! وهناك مخطوطة للمرغني في اﻷحقاف عن مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام ولما حصلت عليها بجهد وتعب وجدتها مستلة من كتاب عدة الإنابة له وهو مطبوع عندي منذ سنوات ويا فرحة ما تمت! وهناك مخطوطة عنوانها تحفة من صبر في أركان الحجر في البلدية بالأسكندرية، ولما ذهبت لها قبل عشرين عاما تقريبا واطلعت عليها وجدتها في اﻷحجار الكريمة ويا فرحة ما تمت! وهناك مخطوط للديار بكري عن الكعبة المشرفة والمسجد الحرام غير المطبوع، ولما تحصلت عليه بعد جهد وجدته مستلا من تاريخ الخميس وضعت له مقدمة وخاتمة ويا فرحة ما تمت! وهناك مخطوط تلخيص الإعلام للقطبي ولما تحصلت عليه بسهولة من مكتبة عارف حكمت بمساعدة شيخنا الدكتور عبد الرحمن وجدته مطبوعا بعنوان آخر بعناية أحمد جمال وعبدالعزيز الرفاعي رحمهما الله تعالى ويا فرحة ما تمت ... وغيرها كثير!!).

هذه رسالة أخي يوسف، وقد أعجبني ثراؤها ومحصلتها الفنية، فمن الغبن أن تظل حبيسة أرشيف الرسائل وسقوطها مع مرور الأيام.

إن الحياة مع المخطوط كما أدركها أخي يوسف شائقة وشائكة... تعتريها آلام شديدة وسعادة بالغة ولكن متى؟ عندما تحصل على مخطوط نادر وتتأكد من سلامته وصحة نسبته لمؤلفه، موشوما بطرة التملك الجميلة.

وقد أدرك هذه المتعة، وقد شاركته فيها عندما دخلنا قسم المخطوطات بالمكتبة السليمانية الصيف الماضي باستنبول، رأيته وهو يخرز بعينيه أوائل المخطوطات ونهايتها وهو يقلبها برفق وحولنا (موظف المكتبة)، وبقيت معه مستأنسا بحديثه أنا ومرافقي وشروحاته، أما فهمي لها فلا يصل أبدا لفهمه العميق وقدراته الواسعة في تقويم المخطوط وسلامة نسبته وتاريخ كتابته.. شهدت له يوما مع خبير مخطوطات بمكتبات استنبول عندما أمسك هذا الخبير مخطوطة مصحفية قرآنية، وسأله أخي يوسف عن تاريخها، فقال الموظف الخبير إنه لم يثبت عليها تاريخ ولا يعرف لها... فقال يستحيل هذا فجميع مخطوطات المصاحف مثبت عليها التاريخ، ففتشها قيد دقائق بسيطة جدا وقلب صفحات المخطوطة وبعث ناظريه في أماكن يعرفها بحسه المخصوص فإذا به يضع سبابته على تاريخ نسخ مخطوطة المصحف، وأظن أن تاريخ النسخ كان بالقرن السابع فتعجب هذا الرجل من تلك البداهة... وسعد بهذه التوثيقة.

وذات يوم اقتنى مخطوطة من باعة المخطوطات في مكتبات استنبول غير بعيد عن وسط هذه المدينة وكنت مرافقه وسط حشد هائل من الوثائق والأوراق والمخطوطات والنوادر... وعانى مع البائع معاناة شديدة حتى تحصلها وبعد أن امتلكها راجع عنوانها وعنوان مؤلفها ومتنها ثم أدرك أنها قد حققت وطبعت، وأخبرني بذلك ولكنه لم يأسف بل سعد بطبعها، حيث قال لي: إن طباعتها لا تقلل من قيمتها بالنسبة لي.

وما علمته يوما وجد على أحد سبقه لمخطوطة، بل عمل دليلا على نوادر المخطوطات يرشد إليها ويحث عليها ويتابع محققيها، ويصحح معهم ما غمض واكتنف، ولا يهدأ له بال حتى يقتني مطبوعها ويشكر صاحبها بل ويزود مكتبة مكة بنسخة وينوه بتحقيقها.

متعلقات