جريدة مكة الإخبارية 6 مشاهدة

طبيعة الإنسان حب الهدوء والاستقرار ويكره ما عدا ذلك من المنغصات، ويسعى ما وسعه السعي في حياته إلى السلام والاطمئنان حيث يعيش ويعمل وينتج، ويطلب الأمن له وللمحيط الذي هو فيه، وهو الوضع الطبيعي الذي يتخلق فيه الوجود الإنساني، أما الطارئ وغير الطبيعي فهو الحرب بكل صورها وأسبابها وبواعثها وأهدافها، والقتل والتدمير الذي يحصل فيها منكر عند كل البشر وفي كل الأحوال

طبيعة الإنسان حب الهدوء والاستقرار ويكره ما عدا ذلك من المنغصات، ويسعى ما وسعه السعي في حياته إلى السلام والاطمئنان حيث يعيش ويعمل وينتج، ويطلب الأمن له وللمحيط الذي هو فيه، وهو الوضع الطبيعي الذي يتخلق فيه الوجود الإنساني، أما الطارئ وغير الطبيعي فهو الحرب بكل صورها وأسبابها وبواعثها وأهدافها، والقتل والتدمير الذي يحصل فيها منكر عند كل البشر وفي كل الأحوال.

وقد وصف العرب في الجاهلية بأنهم دعاة حرب وغزو يسيرون إليها ويعتزون بها، وليس هذا صحيحا على إطلاقه، وقد برأت العرب من تهمة الدعوة للحرب وممارستها معلقة زهير بن أبي سلمى، حين بغض الحرب ونهى عنها وقبح عملها والداعين لها والمحرضين عليها.

وكل الصفات التي أطلقها الناس على الحروب فيما بعد، جاءت في معلقة زهير، حين ذكرها ونهى عنها، وهي في رأيه ذميمة لا يقدم عليها الناس ولا يلجأ العقلاء إليها حتى يجربوا كل وسائل تجنبها، فإذا أعيتهم الحيلة وكانت الحرب لا بد منها قبل زهير مكرها بها وأشار إلى ما أصبح يعرف بالردع النووي في هذا العصر وبين أن القوة التي يتمتع بها الناس أو الأمة والجماعة هي المانع الحقيقي للحرب، ذلك المعنى الإنساني الذي أشار إليه، حول معناه وشوهه النقاد الذين كانت ميولهم الفكرية والثقافية أن العرب أهل حرب وليسوا أهل سلام، واستشهدوا بقوله: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم.

لقد كان صدر البيت هو ما يصحح عجزه ويوضح غرضه من الظلم الذي يراه فمن لم يحم نفسه بقوته هزمه الناس وغلبوه على أي حال، وتلك ما أراد زهير بالظلم الأول الذي رد عليه بالظلم الثاني ولم يدع للعدوان والظلم وإنما دعا إلى رده ومنعه حتى لا يحدث.

في المنطقة العربية اليوم فرضت حروب كثيرة ليست فيها حكمة زهير، ولا دعوته للقوة التي ترد الحرب وتمنع الهدم والظلم، وعاشت الدول العربية كلها أجواء الحرب ولكن بدون حكمة ولا قوة، فما تكاد تزول غمامة حرب حتى تظلهم غمامة أكثر إمطارا في بؤسها وأشد ظلاما من سابقتها، تحولت من حرب الدول والأنظمة التي كانت معروفة بين الناس إلى حرب الفتن والعصابات والجماعات، وحروب الطائفية والعنصرية البغيضة، لم تعد الحروب حرب دولة لدولة ولا جيش لجيش ولا قوة تردع قوة، ولكن أصبح هاجس الحرب وأسبابها مختلفة ومتعددة المشارب والأغراض ومن يوقدها ويشنها قد لا ترى عليه شيئا من آلاتها ولا وسائلها.

لا شك أن البشر يحلم أن يعيش جوا مسالما مطمئنا ويكره كثيرا المنغصات التي تتعرض لها حياته، وأخطر المنغصات وأكثرها قلقا للناس الحرب وما يكون فيها من كوارث.

وتبقى الحرب جدلية طويلة في التاريخ القديم والحديث ملئت بطون الكتب ومتون الصحائف بالكلام عنها وعن المساوئ التي تخلفها في كل ما يحيط بالطبيعة الإنسانية ومع كل ما يترتب عليها.

يخوضها الناس في أكثر من زمان وفي أكثر من مكان يكسبها طرف ويخسرها طرف آخر، وتبقى الحرب بغيضة كريهة لدى كل الأطراف من كسبها ومن خسرها.

وقد وصف المتحذلقون بعض الحروب بأنها عادلة وبعضها جائر وبعضها ضرورة وبعضها عدوان، ولكن الحرب شر على كل من خاض غمارها سواء ربح الحرب أو خسرها، ووصفها بالعادلة أو الظالمة لا يغير من قبح الحرب ولا يغني عن طلب الأمن والسلام والعودة إلى إنسانية الإنسان بدل توحشه وشراسته وقتله لأخيه.

متعلقات