جريدة مكة الإخبارية 7 مشاهدة

سؤال المسؤولية هو السؤال المزلزل للضمير والموجع للشعور في حادثة الحريق المأساوي التي شهدها مستشفى جازان العام، كما في كل حادثة تؤدي إلى إزهاق أرواح الأبرياء أو إصابتهم. وإذا كانت كل الدلائل تشير إلى أن حادثة حريق المستشفى ناجمة عن إهمال متضاعف وقلة اكتراث وانعدام تحسب للأخطار، فإنها دلائل على تضاؤل المسؤولية وتدني الشعور بها وتراخيه. وأحسب أن الحيرة في تحديد المسؤولية عن أي حادثة

سؤال المسؤولية هو السؤال المزلزل للضمير والموجع للشعور في حادثة الحريق المأساوي التي شهدها مستشفى جازان العام، كما في كل حادثة تؤدي إلى إزهاق أرواح الأبرياء أو إصابتهم. وإذا كانت كل الدلائل تشير إلى أن حادثة حريق المستشفى ناجمة عن إهمال متضاعف وقلة اكتراث وانعدام تحسب للأخطار، فإنها دلائل على تضاؤل المسؤولية وتدني الشعور بها وتراخيه. وأحسب أن الحيرة في تحديد المسؤولية عن أي حادثة، وتفرُّق دمها في القبائل، بحسب ملفوظ المثل الذي يُستحضر عادة في هذا الصدد، هو أكثر ما يضعف صلابة السؤال عنها، ويثلم حدَّه، ويخفف من ثقله. فما الذي يصنع تعدد جهات المسؤولية في حادثة ما؟ ومن له مصلحة في ضياعها على هذا النحو؟!

إن المسؤولية دلالة قانونية، قبل أن تكون شعورا بالتبعة، أو تسجيلا لموقف، أو إعلانا لرأي؛ فلا فعل إلا بفاعل، ولا نتيجة من غير سبب. وكما تحمل هذه الدلالة القانونية للمسؤولية شكلا منطقيا فإنها تحمل معنى الاختصاص؛ فاختصاص الطبيب العلمي والمهني – مثلا- يجعله مسؤولا عما يوصف للمريض من علاج، ويجعل تنطح غيره لمهمته جناية على المسؤولية وليس على الطبيب. وبالقياس نفسه فإن معايير الأمن والسلامة، والوقاية من الحرائق تحديدا، هي مسؤولية يختص بها الدفاع المدني، وتهاونه في الترخيص لأي منشأة من دون ضمان أسباب الوقاية ووسائلها، أو تقادم العهد على هذا الترخيص، هو إخلال بالمسؤولية ووقوع في موقع التسبيب لكارثة.

لكن المشكلة هي في عدم رسوخ هذا المعنى القانوني للمسؤولية؛ أعني معنى الاختصاص تجاه موضوع الحادثة وهو هنا الحريق. فالتقارير التحذيرية الموجهة من إدارة الدفاع المدني بمدينة جازان إلى المسؤولين عن الصحة ومدير المستشفى، لم تنقطع على ما يبدو. وهناك تقرير مؤرخ قبل نحو ثلاث سنوات معنون بـ»عاجل جدا» يلتقي مع تقرير آخر مؤرخ قبل وقوع الكارثة بثلاثة أسابيع. الأول يحذر بحسب ما تداولته المواقع من 22 ملاحظة ومخالفة لاشتراطات الأمن والسلامة، منها – كما ورد في صحيفة سبق- تعطل شبكة الإطفاء بالخراطيم، ووجود عوائق أمام مسالك الهروب، وعدم عزل غرفة الكهرباء أو توفير طفايات الحريق اليدوية.. إلخ والأخير يلح عل ضرورة عمل صيانة للأسلاك المكشوفة خلف الديكورات، ويحذر من موقع خزان البنزين.. إلخ. وهي هكذا تقارير مروعة وتنذر بالكارثة؛ فمن سمح للمستشفى أن يفتح أبوابه للمرضى والعاملين وهو بهذه الخطورة؟! ومن يملك في هذه الحالة السماح والمنع للمنشآت؟! إذا لم يكن من مسؤولية الدفاع المدني أن يقفل أبواب أي منشأة لا تلبي معايير السلامة، أو يسمح لها بحكم اختصاصه ومسؤوليته، فستضيع المسؤولية عن أي حادثة تتعلق بالسلامة.

لا بد من مأسَسَة المسؤولية الإدارية في المؤسسات الخدمية بشكل صارم، وعدم مركزتها على فرد أو جهة عليا في المؤسسة، فالمأسسة هي أشبه بإيجاد أداة قياس وتقويم موضوعي، كالمسطرة في رسم الخطوط المستقيمة وقياسها. وهذا هو معنى الترسيخ للمعنى القانوني للمسؤولية: معنى الاختصاص الذي يملك معرفيا ووظيفيا مؤهلات التشخيص والحكم والمعالجة واستمراريتها، ومعنى الاندراج في هيكلية يتقسّم العمل بموجبها وتتحدد المسؤوليات. وهي هيكلية تتيح من الرقابة والشفافية ما لا مأسَسَة للمسؤولية الإدارية بغيره؛ لأنها رقابة لا تنزل من أعلى بل تنبع من القاعدة: قاعدة المؤسسة وقاعدة المجتمع أو الجمهور المستهلك لخدمتها. لذلك فإن تمركز الوزير أو الوزارة والتسلط على الإدارات الفرعية يفضي إلى حجب وتعمية على المسؤولية وفرصة لتقاذفها والمروق من ربقتها، تماما كما هو تمركز المدير في أي إدارة فرعية.

أصدق التعازي وأخلصها لأهلنا في جازان.

متعلقات