جريدة مكة الإخبارية 3 مشاهدة

تساءلت وأنا أطالع ردة الفعل الواسعة والكاسحة في منافذ التواصل الاجتماعي على نصيحة ذلك التاجر المترف لعموم المواطنين التي تشبه اللوم والشتيمة لهم، وتطفح بالتعالي عليهم، ويحفها حس التشفي من معاناتهم: كيف كان يمكن لنصيحته وانتقاده وموعظته أن تسلم من ردة الفعل تلك، وأن تحقق غايتها الإيجابية: غاية التوعية بالتحولات الاقتصادية وضرورة التحسب لها، وتوطين النفوس على مبادئ تربوية جادة وذات حس بالمسؤولية الذاتية؟! وأين يكمن سبب الثورة عليه والمقاومة لمنطقه؟

تساءلت وأنا أطالع ردة الفعل الواسعة والكاسحة في منافذ التواصل الاجتماعي على نصيحة ذلك التاجر المترف لعموم المواطنين التي تشبه اللوم والشتيمة لهم، وتطفح بالتعالي عليهم، ويحفها حس التشفي من معاناتهم: كيف كان يمكن لنصيحته وانتقاده وموعظته أن تسلم من ردة الفعل تلك، وأن تحقق غايتها الإيجابية: غاية التوعية بالتحولات الاقتصادية وضرورة التحسب لها، وتوطين النفوس على مبادئ تربوية جادة وذات حس بالمسؤولية الذاتية؟! وأين يكمن سبب الثورة عليه والمقاومة لمنطقه؟

تساءلت عن ذلك وتساءلت عن سبب اتساع ردة الفعل تلك، وعن قوة منطقها، ونفاذ تأثيرها، وأسرار امتلائها بالسخرية والتهكم! وكيف تضافرت المقارعة فيها للنقد الذي حواه كلام التاجر مع التفتيش عن مخالفاته للأنظمة وتعديه على الحقوق العامة، والعرض للصور والوثائق التي تبرهن على ذلك وتشرحه! وهو تساؤل لا يكتمل ـ بطبيعة الحال - من دون أخذ صمته المطبق في مواجهة ردة الفعل تلك، بعين الحسبان، والنظر إلى تجاوب سمو أمير منطقة مكة المكرمة العاجل في تصحيح انتهاكه للشارع العام أمام منزله بما يستحقه من ثناء وتقدير. فالمعاني الكامنة في ذلك والحافة به جديرة بالتأمل اتقاء لحماقات وأخطار أشد استثارة للغضب وأدعى للفتنة لا قدر الله.

كان السيد التاجر يوجه كلامه للمواطنين السعوديين في مقطع فيديو سجله في مجلسه المترف، مطالبا بالكف عن «الدلع» على حد عبارته. وهو لفظ توصف به وتسمى تربية الأولاد المسترخية والمدللة لهم؛ والصبي «المدلع» هو من تربى في عيش رغيد ونعمة فارهة. ثم يرجو نشر الشريط، قائلا «عشان الناس تعرف الوضع، وعشان نسير زي دبي». والوصف بالدلع مهين بلا شك؛ لأنه يصف الرخاوة والطفولية وعدم المسؤولية؛ إنه هكذا أقرب إلى الانتقاص والشتيمة. وهو -إلى ذلك- وصف مقترن بالتشفي؛ فالمناسبة التي دعت إليه هي نتائج انخفاض أسعار البترول على الاقتصاد المحلي التي يباركها السيد التاجر لأنها ستعالج الدلع! وهكذا بدا الكلام مستفزا بالضرورة في أسلوبه وفي منطقه.

لكن هذا وحده ليس كافيا لذلك الرفض الذي تلقاه الناس به، ولا للهجوم الذي جابهوه به. بل اجتمعت مع الكلام شخصية المتكلم المعروفة من حيث هو تاجر موصوف بالثراء، وهذه صفة ساعد في تسبيبها لرد الفعل العنيف مشاهد استعراضية متداولة يظهر فيها في أفخم أنواع السيارات وأفخر المنازل... إلخ. إضافة إلى دلالات على شخصية استبدادية ذات سطوة لا تكترث لخرق النظام. وأعتقد أن منطق النصيحة والنقد والاهتمام بالصالح العام من حيث دلالته على المثالية والنزاهة والخيرية، يأخذ صفة مجافية لكل ما يدل على التعالي وتضخم الذات وعلى الاستغلال.

ماذا لو قدم ذلك السيد المترف ـ مدافعا عن نفسه - سجله غير الربحي في خدمة المجتمع وأعمال البر والنفع العام؟! لنفترض ـ مثلا - أنه واجه الهجوم بالبرهنة والإثبات على سجل مليء بما ينقض تلك الصورة التي بدا بها في الهجوم عليه. أغلب الظن أنه سيهدئ من تلك الهجمة، أو سيحدث خلخلة لصلابتها. وهذا معنى أرجو أن نستخلص منه فائدة وعبرة للشركات ورجال الأعمال وأساطين التجارة والمال؛ فإذا لم يكن سجل أحد منهم في الإنفاق على أعمال النفع العام من غير تربح واضحا، فهو عرضة لتشهير محتمل. وإلى ذلك ينبغي أن يؤطر هذا الهدف من قبل الدولة، عن طريق فرض رسوم على الأرباح؛ فهذا أولى من رفع أسعار المحروقات التي ترهق كاهل الفقراء.

متعلقات