جريدة مكة الإخبارية 4 مشاهدة

في سنة 2009 اتصلت بي قناة (العالم) الإيرانية؛ لأشارك في برنامج يتحدث عن العنف في السعودية، وكان ذلك يوم الأربعاء، والبرنامج سيكون يوم الجمعة، فأبديت موافقتي، ثم في يوم الخميس مساء أعاد الاتصال بي؛ لتأكيد الموعد، فسألته ببراءة عن سبب اختيارهم لموضوع العنف، مع أن ظاهرة العنف في السعودية تلاشت تقريبا، ففوجئت به يتصل بي صباح الجمعة يعتذر عن عدم استضافتي لظروف طارئة، وتم اللقاء من دوني، وكان الحديث فيه عن استمرار تنامي العنف في السعودية، أي إن المطلوب من الضيف تمرير رسالة تتفق مع الأجندة الإيرانية من دون أن يشعر الضيف.

في سنة 2009 اتصلت بي قناة (العالم) الإيرانية؛ لأشارك في برنامج يتحدث عن العنف في السعودية، وكان ذلك يوم الأربعاء، والبرنامج سيكون يوم الجمعة، فأبديت موافقتي، ثم في يوم الخميس مساء أعاد الاتصال بي؛ لتأكيد الموعد، فسألته ببراءة عن سبب اختيارهم لموضوع العنف، مع أن ظاهرة العنف في السعودية تلاشت تقريبا، ففوجئت به يتصل بي صباح الجمعة يعتذر عن عدم استضافتي لظروف طارئة، وتم اللقاء من دوني، وكان الحديث فيه عن استمرار تنامي العنف في السعودية، أي إن المطلوب من الضيف تمرير رسالة تتفق مع الأجندة الإيرانية من دون أن يشعر الضيف.

هذه الواقعة أستفتح بها قراءة موجزة للخطاب الإعلامي لإيران، من واقع متابعة، وإن لم أكن خبيرًا إعلاميا، فالمتابع لخطاب إيران الإعلامي الذي استطاع اختراق الأوساط العربية، يجد أن له ركائز وأدوات، فأما ركائز الخطاب فأقتصر على أربع منها، الركيزة الأولى: الانتصار المكثف لقضية يُجمع عليها العرب والمسلمون، ولها مكانة عظيمة في نفوسهم، مما يجعل إيران في نظر الشعوب ناطقة باسم تلك القضية، ومنافحة عنها، وقد جعل الإعلام الإيراني والإعلام التابع له كقناة (المنار) قضية (فلسطين والقدس) نقطة ارتكاز في خطابه الإعلامي، فلا يخلو يوم واحد من التطرق إليها، والانتصار لها، وحسبك أن تعلم أن لخامنئي كتابا اسمه (فلسطين) صدر عام 2012، وهو مؤلف من مجموعة من المحاضرات والكلمات التي ألقاها عن فلسطين، وهو في (417 صفحة).

ويتبع هذا صوغ الشعارات العاطفية التي لها تأثير في الجماهير في قضية فلسطين والاستعمار كشعارات (الموت لأمريكا)، و(الموت لإسرائيل)، وربط الخصم بالعمالة لإسرائيل وأمريكا.

الركيزة الثانية: نحت المصطلحات في توصيف خصوم إيران ومؤيديها، وهي قوالب تختصر الخصم أو المؤيد في قالب يستدعي ذكره جلب صفات الذم والشناعة للخصم، وجلب صفات المدح والتعاطف مع المؤيد، فالخصوم تنحت لهم مصطلحات (التكفيريين)، و(الوهابية)، و(البعثيين)، و(الصداميين)، و(قوى الاستكبار العالمي)، والمؤيدون تنحت لهم مصطلحات (المظلومين)، و(أصحاب المظلومية)، و(المستضعفين)، و(المضطهدين)، و(ضحايا الاستكبار العالمي).

الركيزة الثالثة: التأكيد على الأستذة الإيرانية، وحتمية الهيمنة الإقليمية؛ لبث اليأس في المتلقي العربي من مواجهة إيران، ولهذا فخطابهم يصوِّر إيران على أنها دولة كبرى، وإمبراطورية وصل نفوذها إلى البحرين الأحمر والمتوسط، قال قائد الحرس الثوري السابق «نفوذ إيران قد تجاوز العراق وسوريا، ليُوصل حدود إيران إلى البحر المتوسط، وهذه هي المرة الثالثة التي نصل إليه»، وقال علي أكبر ولايتي مستشار المرشد «نفوذنا أصبح يمتد من لبنان إلى اليمن».

وغالبا ما يتحول مسؤولو إيران كلهم (المرشد، ورئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، وقادة الجيش، وأعضاء البرلمان) إلى جوقة متناغمة في ترديد عبارات التهديد بعبارات قاسية في كل حدث يمس الجمهورية، كما رأينا في حادثة تدافع الحجاج في منى، أو في تعليقهم على إعدام النمر، والمقصود من تلك الرسالة التي تطلقها الجوقة، وكثرة تكرارها ترسيخ مهابة إيران في النفوس، والإيحاء بجبروتها.

الركيزة الرابعة: البعد عن اللغة الطائفية في تناول الأحداث، وتكرار الحديث عن الوحدة الإسلامية، والأخوة الدينية، والتعاون الإسلامي في مواجهة إسرائيل، وإلقاء تهم الطائفية على خصوم إيران، وقد ساهم هذا في تحسين صورة إيران لدى المشاهد العربي الذي لا علم له بممارسات إيران الطائفية بدءا بسن دستور طائفي، وانتهاء بالمساهمة في القتل الطائفي في سوريا والعراق.

وأما أدوات الخطاب فأقتصر- أيضا- على أربع منها، الأداة الأولى: تأسيس القنوات الفضائية باللغات المختلفة، مثل الإنجليزية والفرنسية والأفغانية واللهجات الأفريقية، ومن أشهر تلك القنوات قناة (Press TV) بالإنجليزية، وقنوات (الكوثر)، و(العالم)، و(الأفلام)، و(الميادين)، بالإضافة إلى القنوات التي أنشأتها الأحزاب الموالية لإيران، وهي أكثر من خمسين قناة، أشهرها المنار.

الأداة الثانية: الاختراق الناعم للمجتمعات، وذلك بشراء ذمم مجموعة هائلة من الإعلاميين، والمثقفين، ورجال الدين، وصرف مرتبات لهم، ومكافآت، وقد ذكر الكاتب اللبناني المتخصص في شؤون حزب الله قاسم قصير في دراسة له أن الحزب يصرف رواتب لتجمع العلماء المسلمين، وهو تجمع يضم 220 عالما شيعيّا وسنيّا، تبلغ 600 دولار لكل عضو، ويذكر محمد الجوزو مفتي جبل لبنان أن الحزب يصرف مرتبات لعلماء دين سنة تصل إلى 1500 دولار شهريا، وعقب إعدام نمر النمر استضافت قناة المنار في ثلاثة أيام ستة علماء سنيين، وكان حديثهم مطابقا لوجهة النظر الإيرانية تماما في كل تفصيلاتها، بل في استعمال المصطلحات نفسها.

الأداة الثالثة: التنوع في أدوات الخطاب، واعتماد القوة الناعمة في اختراق المجتمعات، فعلاوة على إنشاء القنوات، قامت إيران بإنشاء المراكز الثقافية في كثير من الدول الآسيوية، والأوروبية، والأفريقية، وفي الأمريكيتين، مع طباعة الكتب، وإجراء الدراسات، وعقد الندوات، والمؤتمرات الجماهيرية، وتصوير الأفلام السينمائية عن الشخصيات الدينية، كالأنبياء عيسى، ويوسف، وسليمان.

الأداة الرابعة: تكوين لوبيات إعلامية ضاغطة في المجتمعات الغربية، وتكوين لجان الكترونية متابعة؛ لتكوين رأي عام مؤيدة لإيران، وما يمثلها من آراء وشخصيات، ومن نماذج ذلك أن قناة الحرة طرحت استفتاء جاء فيه «هل تؤيد الدعوات المطالبة بوضع مكة تحت إدارة إسلامية مشتركة؟»، فكانت نسبة المعارضين في الأيام الأولى (85.14 %)، والمؤيدين (14.86 %)، ثم فجأة في يومين فقط قفزت نسبة المؤيدين إلى (49 %)، وهذا بلا شك نتيجة لوبي إعلامي موظف لمثل هذه القضايا، وقد أقفل الاستفتاء ونسبة المؤيدين (47.46 %)، وبلغ عدد المؤيدين (3047074 مصوتا)، وهذا عدد هائل، نادرا ما تصل إليه أعداد المصوتين في المواقع العربية، وألغى موقع (إيلاف) استفتاء عن شخصية العام السياسية لعام 2015 في العالم العربي بعد أن اكتشف أنه تلقى من مصدر خادم واحد 25879 صوتا لترشيح حسن نصر الله.

aldahian.s@makkahnp.com

متعلقات