جريدة مكة الإخبارية 5 مشاهدة

(مدخل)

ليس بدعا من الأمر القول بالأهمية القصوى لتخطيط المدن، وفقا للمعايير الصحيحة في الإنشاء وبلوغ صفة الاستدامة العمرانية، القادرة على استيعاب التنامي المستمر في الكثافة السكانية، وما يتبعها من ضرورات حياتية شتى، تجعل حياة الإنسان أكثر اطمئنانا وراحة وأمانا!

ولعل مقاربة تجليات خطاب التخطيط العمراني المستدام، تكون وصايا ملحة في الذهنية

(مدخل)

ليس بدعا من الأمر القول بالأهمية القصوى لتخطيط المدن، وفقا للمعايير الصحيحة في الإنشاء وبلوغ صفة الاستدامة العمرانية، القادرة على استيعاب التنامي المستمر في الكثافة السكانية، وما يتبعها من ضرورات حياتية شتى، تجعل حياة الإنسان أكثر اطمئنانا وراحة وأمانا!

ولعل مقاربة تجليات خطاب التخطيط العمراني المستدام، تكون وصايا ملحة في الذهنية

التخطيطية القادمة لإدارات التخطيط في مؤسسات الدولة ذات الصلة، وما يتعلق معها – بضرورة العمل - من إدارات مرورية وخدمية شتى.

(1) ليس أشد خطورة على السكان وحالة استقرار المجتمع المدني من الأحياء المنغلقة على ذاتها، لاستحالة وصول معظم الخدمات إليها، مما يجعلها فريسة لمشكلات الصرف الصحي والتمديدات الكهربائية والشبكات الاتصالاتية.

ومن ناحية مرورية فإنه يستحيل مع تلك الأحياء المنغلقة ضمان استقامة الطرقات الرئيسة الكبرى التي تربط أحياء المدينة ببعضها، كما أن حركة النقل تسير باستمرار في الطرقات الرئيسة التي تحيط بتلك الأحياء، مما يساعد على زيادة الازدحام في تلك الطرقات.

كما أن كثيرا من الحوادث المرورية تنشأ من رغبة البعض في ولوج تلك الأحياء عبر مسارب ضيقة وملاصقة لبيوت ذلك الحي المغلق.

ومن النواحي الاجتماعية يؤكد المستشارون الاجتماعيون بين الحين والآخر «أن تلك الأحياء تكون بمثابة البؤر التي تحتضن الجرائم على اختلاف أشكالها، لانعزالها عن النسق الجمعي. ثم إن القاطنين فيها يضيقون بمرور الوقت من انعزالها الذي يتسبب في صعوبة وصول الطرق والخدمات إليها، فيهجرونها، تاركين فرصا سانحة للعمالة السائبة، ولإنتاج عشوائيات جديدة على الأطراف».!

(2) أهمية التنسيق بين إدارات تخطيط المدن وإدارات المرور، فعلى المستوى النظري يجب أن تتم عملية تخطيط المدن على أساس صياغة تخطيطية دقيقة لشبكات الحركة المرورية، شاملة الطرق بدرجاتها ومستوياتها، فالتخطيط الجيد للمدن بمخططاتها وشوارعها، يكفينا تعب البحث عن انتظار عمل مؤسسات حكومية أخرى، كإدارات المرور مثلا، والتي نفتقد أفرادها في نطاقات عملهم الرئيس على الطرقات السريعة والشريانية والداخلية!، ولكن عندما تقام المدن بأخطاء منهجية في التخطيط والتنفيذ فإن ذلك يفضي إلى مشكلات الاختناقات المرورية، بسبب ضيق الشوارع وانغلاق الأحياء وندرة عدد المخارج والمداخل - التي تجعل الدخول للحي والخروج منه يتم بصعوبة بالغة - وزيادة عدد التقاطعات الداخلية، فيكون انضمام إدارة المرور للمنظومة الاجتماعية الخدمية أمرا ملحا، للحؤول دون تراكمات الاختناقات والحوادث المرورية، ثم لصياغة الاقتراحات المناسبة التي يمكن لإدارات النقل والبلديات أن تعالج بها بعضا من تلك الأخطاء التخطيطية العمرانية!

ومع ذلك فإن الملاحظ بجلاء هو غياب العمل داخل بنية مؤسساتية متسقة داخل بلادنا في الكثير من المشاهد، فما تنهض به أمانات المدن وبلدياتها تتنصل منه إدارات المرور عامة، والعكس صحيح، وهذا هو الذي جعل كل مؤسسة حكومية لدينا تغني على ليلاها (لحنها الخاص).. فحسب!

(3) وربما يستخلص قارئ هذه القضية مخاطر كثيرة لعشوائية التخطيط، كعدم توافر الأحياء على مقومات بالغة الأهمية كالمراكز الثقافية والنوادي الترفيهية والحدائق العامة فضلا عن غياب المقومات الأساسية لمنظومة البنى التحتية التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي يختصرها عالم المدن الهائل د. سبيرو بولايز من جامعة هارفارد بقوله «إن البنية التحتية القادرة على صياغة حياة سعيدة للسكان داخل المجتمع لا بد أن تشتمل على 6 أنظمة: الطاقة – المياه –الغذاء – المواصلات – المسطحات - الوسائل المعلوماتية».. وبالتأكيد فإن الواقع يفصح عن غياب مرير لتلك الأنظمة في المناطق العشوائية للدرجة التي ربما لا تجد فيها سوى نظام واحد - وجد مصادفة - في أحسن الأحوال!

(4) بادئ ذي بدء.. فإن الاختناقات المرورية تتناسب طرديا مع كثرة عدد التقاطعات داخل المدينة، لذلك فإن التخطيط العمراني (المثالي) هو الذي تختزل معه التقاطعات إلى عدد لا يمكن الاستغناء عنه على الإطلاق، ولعل ما نشر مؤخرا عن مدخل العاصمة المقدسة (من طريق الحج) يؤكد على تلك الاختناقات المريرة بسبب تقاطعات الإشارات المرورية المبالغ في إنشائها على مساحة محدودة جدا من امتداد الطريق! وقد اتفق الكثير من المهتمين بهذا الشأن على أنه يجب ألا تقل المسافة بين التقاطعات عن 4 كلم بأي حال من الأحوال!

ومن تعب تلك التقاطعات ولدت فكرة الجسور والأنفاق التي يهدف إنشاؤها إلى تحرير تلك التقاطعات المعطلة، لأجل تعزيز انسيابية الحركة المرورية، في ظل الغياب المؤلم لوسائل نقل لا يمكن أن تغيب، كالقطارات والمترو والـ(sup way) ولكن إنشاء تلك الجسور والأنفاق يجب أن يعتمد على قواعد رئيسة: كحتمية ملاءمة التضاريس البيئية للجسر. ومع ذلك فإن الجسور تعد الأكثر أمنا وخدمة رغم ارتفاع تكاليف الإنشاء والصيانة في كل الأحوال.

(5) وبعد: فربما يكون للحديث بقية، أو نعود سيرتنا الأولى..

متعلقات