جريدة مكة الإخبارية 114 مشاهدة

قبل عقود كان الوعي المحلي (الديني والاجتماعي) لا يلقي بالا لمسائل التكفير، ولا حتى الدعوة إلى القتل، وحتى في الصراع الذي اتسمت به حقبة الثمانينات بين الصحوة والحداثة، برغم التكفير المعلن بالصوت المرتفع، لم يكن المصطلح يأخذ أبعادا في الحذر والتوجس من النتائج، وكان للهدوء الفكري النسبي الذي اتسمت به حقبة التسعينات دور في إخماد جدلية التكفير، إلى أن انفجر المصطلح فعليا مع تفجيرات مايو 2003 في الرياض وباقي المدن، وبات على المنظومة الدينية عبء كبير في إعادة الصياغة البرمجية للدلالة الاصطلاحية التي تفوح تلقائيا من مفهوم التكفير.

قبل عقود كان الوعي المحلي (الديني والاجتماعي) لا يلقي بالا لمسائل التكفير، ولا حتى الدعوة إلى القتل، وحتى في الصراع الذي اتسمت به حقبة الثمانينات بين الصحوة والحداثة، برغم التكفير المعلن بالصوت المرتفع، لم يكن المصطلح يأخذ أبعادا في الحذر والتوجس من النتائج، وكان للهدوء الفكري النسبي الذي اتسمت به حقبة التسعينات دور في إخماد جدلية التكفير، إلى أن انفجر المصطلح فعليا مع تفجيرات مايو 2003 في الرياض وباقي المدن، وبات على المنظومة الدينية عبء كبير في إعادة الصياغة البرمجية للدلالة الاصطلاحية التي تفوح تلقائيا من مفهوم التكفير.

بات الوعي الجديد (وعي ما بعد أحداث مايو 2003) يتحرز كثيرا من اصطلاح التكفير، وباتت كلمة (كافر) لا تطلق إلا بمحاذير كثيرة، حتى في مستويات الحكي الاجتماعي الدارج، وظهرت الوصايا الدينية (عالية المستوى) تحذر من مفاهيم التكفير، وتذكر بما يطلق عليه (الضوابط الشرعية) في التكفير، وإسقاطه على الآخرين.

الآن كل المشكلة - في تصوري - ليست في (التكفير) بحد ذاته، بل في الفضاء الثقافي الذي يحيط بالمصطلح، وسأوضح الآن لماذا اتخذت مفاهيم التكفير بعدا خطيرا على الأمن الوطني والسلم الاجتماعي، في حين أنه يفترض أن يكون مجرد تعبير عن الرأي! فحين أقول: فلان كافر، فهذا مجرد رأي، ولكل إنسان حرية التعبير عما يراه، فلماذا يأخذ هذا الرأي كل تلك الخطورة؟ وكيف نوفق بين كونه (حرية رأي) وكونه خطيرا على الأمن والسلم؟

الخطورة التي تحتضن مصطلح التكفير ليست إلا في النتائج المترتبة على العملية التكفيرية، وهي نتائج تطفح في التراث الذي ننادي بتصحيحه، والذي يتعاطى مع ثنائية (الكفر والإيمان) بالحسم الواضح والمنتهي للدلالة الاصطلاحية المرسومة مسبقا وفق أدبيات وتصورات ذلك التراث، فتجد مثلا الحسم الواضح في كثير من المسائل بعبارة (يستتاب، فإن تاب وإلا قتل)، وتجد أيضا في بعض المؤلفات مثل هذه العبارة: (مجرد التلفظ بـ»لا إله إلا الله» ليس عاصما للدم والمال..) أي إنه يمكن أن يستباح قتل (المسلم) فضلا عن غيره؛ كونه لم يكن مسلما وفق النظريات المحددة ضمن تضاريس الفهم المذهبي تحديدا.

من هنا كانت المشكلة، أي إن الفضاء الثقافي المولد للسياق الدلالي للمصطلح هو نفسه المشكلة، وليس المصطلح الذي اتخذ مسارا دلاليا آخر في فضاءات أخرى، فالمعتزلة مثلا كفر بعضهم بعضا، وهم كما يقال (إخوة المنهج)! ولكن تكفيرهم لبعضهم لم يكن يترتب عليه قتال أو سفك للدماء، كما هي المترتبات التلقائية للتكفير عند غيرهم.

هنا نصل إلى حقائق يجب أن نفكك تداخلاتها، فالقول بكفر فلان أو إيمانه - في تصوري - أنه في أصله حرية رأي، أو يجب أن يكون كذلك، ولكنه يكون كارثيا إذا استند على تراث يرسم النتائج الحاسمة على الإسقاط الدلالي للمصطلح، أما في حالة خلو السياق من ذلك الحسم بالنتيجة المأساوية فباعتقادي أنه لن تكون هناك أي مشكلة.

وحتى نكون واقعيين، فلا بد من الإيمان بأنه من الصعوبة إحداث تغيير عميق في بنية تلك المدونة العقائدية والفقهية التي تراكمت عبر التاريخ، والتي تؤطر معاييرها الخاصة في التكفير وغيره وفق طريقتها وأدواتها، ولهذا.. فكل ما تقدم مجرد مقترح.. أن يكون للبعض حرية التكفير في مقابل إعطاء غيرهم حرية التفكير.

أراها مقايضة عادلة!

waheed@makkahnp.com

متعلقات