جريدة مكة الإخبارية 144 مشاهدة

راجعت نفسي في كل مراحل التلقي والتعليم فوجدت جميع مراجع ما نهلت منه حينها بلا استثناء جعلتني موقنا تماما بأن ستر العورة واجب وأن كشفها إثم، وأن العورة ذات تحديد دقيق لا نزاع فيها، حين كنا لا نجرؤ على السؤال عن الدليل، بل وفي مواقف لا نعرف علاقة دليل بما يستدل به، ونمت نفسي وهي جاعلة هذا الأمر من مسلمات العلوم ومن المعلوم في دين الله بالضرورة، لتكون عورة الرجل من السرة إلى الركبة دونما دخول في ما بعد (من) وما بعد (إلى) في كون ذات السرة والركبة من العورة أو لا.

راجعت نفسي في كل مراحل التلقي والتعليم فوجدت جميع مراجع ما نهلت منه حينها بلا استثناء جعلتني موقنا تماما بأن ستر العورة واجب وأن كشفها إثم، وأن العورة ذات تحديد دقيق لا نزاع فيها، حين كنا لا نجرؤ على السؤال عن الدليل، بل وفي مواقف لا نعرف علاقة دليل بما يستدل به، ونمت نفسي وهي جاعلة هذا الأمر من مسلمات العلوم ومن المعلوم في دين الله بالضرورة، لتكون عورة الرجل من السرة إلى الركبة دونما دخول في ما بعد (من) وما بعد (إلى) في كون ذات السرة والركبة من العورة أو لا. لكن بيت القصيد بأن عورة عرفناها وجب سترها، وهكذا مضت المعرفة والدربة. وحيث إن الأمر كان في زمن شديد السيطرة والمتابعة والإلزام بحيث لا نقاش من صبي بالغ ولا شاب ذي هوى في هذا الموضوع عد ذلك مخالفة صريحة يستحق عليها لوما أو عقوبة مجتمع. أما الحال في هذا الزمان فقد اختلف وصمتت أفواه كثيرة عن ملابس لا تخفى على أحد ولا يسلم منها ذو دين ولا صاحب هيبة ومكانة، ولم نعد نسمع إلحاح انتقاد على لاعبي كرة قدم ولا غيرهم ممن ألزمتهم الرياضة كشف ركبهم وفي أحيان ونوعيات معينة ظهرت السرة للعيان. ولما راجعت من مظان تصحيح الأحاديث والنصوص الواردة في هذا الشأن وسلمت نفسي لكثير بحث وصبر على نقاش هنا وجدال هناك وخلاف بينهما، قلت لنفسي ما بال القوم جعلوا من أدبيات السلوك أحكام فقه في الحلال والحرام، ونقلوا صورة المسلم في صلاته لتكون لزاما في حال ظهوره على بعض أناس، ولا دليل ذا قوة وصرامة تمكين يمكنهم من ذلك غير اجتهاد، الله تعالى من يؤتيهم أجرهم عليه، واستغربت من وجود نصوص، إن صحت، دلت في بعض مواقفه، صلى الله عليه وسلم، بأن لا إثم في كشف ركبة، وربما قليل من فخذ، ومع ذلك مر الزمان بقسر وجوب وتخويف من إثم، وكذلك استدعيت أولئك الذين تراهم في الحج يحرصون على تنبيه الرجال إن تدلى إزار أحدهم عن سرته بأنها عورة انكشفت فوجب سترها، ومصب كلامي هنا ليس على جماليات الاحتشام ولا كمال الأخلاق ولا لزوم العرف الطيب السائد، بقدر ما هو عن الحرام الذي يتلبس المسلم خوف منه، وهو ليس بحرام مستقر الأركان والتأصيل، وكم من مسلم رمي بالفسق والمعصية إذ لبس فوق ركبته أو أبان سرته، ففي أي إطار توضع هذه الوصمات؟

واليوم أقول: لِمَ لم تكن في تلك الفترة، زمن البيان والتعليم المصاحب للثقة في مصادر التعلم، شفافية طرح ووضوح بيان من باب الأدب والتأديب في هذه المسألة، لا من باب الأحكام ولزومها في غير الصلاة؟ ومن السبب في توهان الإنسان المكلف هذه الأيام حول حكم تلقاه سابقا بالرضا والقبول دونما أدنى شك في لزوم فعل ووجوب امتثال؟ وحين نفكك الأمر نجد جسد الإنسان في الأصل عاريا إلا ما ستره الإنسان من وازع ديني أو اجتماعي صرف، ولما جاء الشرع متمما لمكارم الأخلاق برسول عظيم في الآداب والأخلاق، كما هو عظيم بخلق هو القرآن، جاءت الأحكام الفقهية لتلامس برقي مدادها كل صغير وكبير، مفرقة نوالها على الأحكام التكليفية الخمسة، ويبقى ما بقي على الأصل باعتبار أنه الحل عند من يقول به، ومن ينظر لمسألة تحديد عورة الرجل واجبة الستر في غير الصلاة يرى بما لا يدع مجالا للشك بأن محذورات الكشف ومحظورات الإبانة لا تختلف في السوأة عند غالب من يطاله مفهوم الإنسان، لكن المعيار الاجتماعي تردد بين اختلاف مجتمعات واختلاف أمكنة واختلاف وقت، سواء على مستوى خط الزمن أو على مستوى السنوات والقرون، وهذا يدعونا لأن نفهم فعلا تلك النصوص ـ إن صحت ـ التي تذكر عورة من السرة للركبة بتحديد أنها عورة واجبة التغطية، أما ما صح من الأحاديث المشرفة في أدب النبي، صلى الله عليه وسلم، ونثره لهذا الأدب العظيم بين الناس الذين هم مادة تبليغ رسالته، فهذا موضوع آخر أعتقد بأن على متناولي هذا الأمر تناوله من هذا الباب ليطمئن قلب المؤمن. وفي اعتقادي أيضا أن ليس في كشف الركبة ولا ما يحاذيها ولا السرة وما يحاذيها، حين ملاءمة اللباس للحال والمقام، بأس لمن تأدب بأدب الإسلام وتربى على أن الحياء شعبة من شعب الإيمان.

baba.m@makkahnp.com

      

متعلقات